الحديقة الوطنية بدغومس: واحة الحياة البرية في قلب الصحراء التونسية
الغزال عاد الى الحديقة
تزخز جهة الجنوب الغربي للبلاد التونسية بكنوز بيئية ومناظر طبيعية خلابة لا يعرفها غالبية التونسيين وتوزر من المناطق المظلومة في هذا الجانب تحديدا فهي قد ارتبطت في الأذهان بالواحات والتمور والمنابع المائية وقصائد الشعر الشعبي وجمال الصحراء دون أن تسلط الأضواء كثيرا على ما تخفيه مناطقها الجبلية والسهلية النائية والبعيدة عن الأعين.
8 آلاف هكتار
لعل الحديقة الوطنية بدغومس من أبرز الكنوز المخفية بالجهة فهي تتمركز شمال الولاية على تخوم شط الجريد وتحديدا على مسافة 35 كم عن مركز مدينة توزر وهي قد تسمّت باسم جبل دغومس الذي أعطى إسمه أيضا لقرية دغومس التي تبعد نحو 11 كم عن الحديقة التابعة إداريا لمعتمدية دقاش.
إحدثت الحديقة الوطنية بدغومس بمقتضي الأمر عدد 568 – 2010 المؤرخ في 29 مارس 2010 على مساحة تقدر بـ 8000 هكتار بهدف المحافظة على المنظومة البيئية الصحراوية وحماية أصناف نباتية وحيوانية مهددة وإعادة إدماج أنواع أخرى كانت قد انقرضت منذ عشرات السنين.
بدأ التفكير في إنشاء الحديقة خلال ثمانينيات القرن الماضي إلا أن تسييج هذه المساحة الطبيعية الشاسعة لم ينجز فعليا إلا بين 1995 و1999 أي نحو 5 سنوات لينطلق تثمين منظومة جغرافية وإيكولوجية فريدة من نوعها تتميز بتكوين تضاريسي يضم سلسلة جبلية شمالية معدل ارتفاعها حوالي 370 متراً وتمتد على مساحة 3000 هكتار ، وجزء سهلي معروف باسم “الشارب” ويمسح حوالي 3800 هكتار وأخيراالمناطق المنخفضة المالحة التابعة لشط الجريد وهي على مساحة 1200 هكتار.
تتميز المحمية بمناخ صحراوي لا تتعدى فيه التساقطات السنوية 100 مم فيما قد تتجاوز درجات الحرارة صيفاً 50 درجة مئوية في الظل لكن المتجول في جبال مرّة، كبريتي، وتافرمة وخصوصا خارج فصل الحرارة سيتمكن من الاستمتاع بمناظر غاية في الجمال للشطوط جنوباً والهضاب وسفوح الجبال شمالاً ومن استكشاف الثراء الكبير للحياة البرية في هذه المنطقة من بلادنا الجميلة تونس.

مميزات الحياة البرية
وما دمنا بصدد هذا الجانب تحديدا فلا بد من الإشارة إلى إن الحديقة الوطنية بدغومس تضم 82 نوعاً نباتياً وحيوانياً تم توثيقها بشكل علمي ومدروس من قبل الجهات الحكومية والمجتمع المدني المهتم بالبيئة والحياة البرية.
ويتميز الغطاء النباتي بتنوع كبير ففي المرتفعات ينمو الحالب، الجداري، والسدر وفي السهول ينبت العجرم والضمران وفي الشطوط تظهر النباتات القادرة على تحمل الملوحة العالية كالحماضة كما يوجد المثنان والرتم والعرفج وأعيد توطين شجرة الأكاسيا التي انقرضت لعشرات السنين.
وبالنسبة للحيوانات فلا بد من التأكيد على أنه تم بنجاح سنة 2007 إعادة إدماج غزال “أبو حراب” بعد انقراضه من المراعي الصحراوية منذ 1912 وقد سبق إدخال غزال الدركاس سنة 2002 والنعامة الإفريقية سنة 1995 أما الثدييات الصغيرة فتضم الحديقة أنواعا عديدة منها قنفذ الصحراء، قنفذ الجزائر، جرذ الصحراء، الجرذ القزم، القوندي، الفأر ذو الخرطوم، وفأر الرمال، وأرنب الصحراء، والهر الوحشي.
تحتضن الحديقة أيضا أنواعا كثيرة من الطيور المهاجرة خلال فصلي الشتاء والربيع أما الطيور المستوطنة فأبرزها طائر الحبارى ، العقاب الحر، الصقر الصقر البربري، صقر كريسال، الحجل البربري والكروان.
الزواحف متواجدة كذلك بأعداد كبيرة ومن أبرزها الكوبرا المصرية، ويتجاوز طولها المترين أحيانا.

المسلك السياحي
توضح وثيقة رسمية صادرة عن وزارة التجهيز بالتعاون مع الإدارة العامة للغابات والديوان الوطني للسياحة في تونس أن البنية الأساسية الحالية للحديقة قادرة على استقبال الرحلات السياحية والاستكشافية وهي تتمثل في برج مشاهدة ومتحف إيكولوجي وفضاءً خاص بالإقامة وفضاءات استراحة ومآو للحيوانات البرية. وبالتوازي تم تصميم مسلك سياحي مخصص للمشي (“تريكنق”) عبر مرتفعات جبل الشارب طوله 16.7 كلم، وتستغرق الرحلة فيه يومين بدرجة صعوبة متوسطة إلى صعبة.
ينطلق المسلك من المتحف الإيكولوجي ويمر عبر 8 محطات رئيسية:
- المحطة 1: المتحف الإيكولوجي (نقطة الانطلاق).
- المحطة 2: مشاهدة غزال أبو حراب.
- المحطة 3: مشاهدة غزال الدركاس.
- المحطة 4: نقطة مشاهدة (منظر بانورامي).
- المحطة 5: رصد الجوارح والطيور الأخرى، واستكشاف الخصوصيات الجيولوجية.
- المحطة 6: مشاهدة جربوع الصحراء (والقوندي وآثار الحيوانات).
- المحطة 7: مشاهدة مشتركة لغزال الدركاس وأبو حراب.
- المحطة 8: مشاهدة النعامة ذات العنق الأحمر (وتعشيشها في فصل الربيع).
ونختم بالقول أن في الحديقة معالم وآثارا قديمة جدا.