الشابة … التّاريخ ، الكرنيش ، الميناء وغابة الدّويرة
ميناء الشاابة يوفر سبعين بالمائة من إنتاج الجهة
من تخوم سلقطة شمالا إلى حدود ملولش جنوبا يمتد بحر الشابة الذي ينافس بجماله أجمل شواطئ العالم لتنوع تضاريسه ونقاء مياهه وكثافة الغطاء الغابي المحيط به .هذا التنوع الجيومورفولوجي يلمسه السائح إنطلاقا من رأس قبودية حيث “البحر الميت” الذي ارتبط بتقليد عريق لأهالي المدينة يتمثل في الصيد بـ “الشرافي” وهي تلك المصائد التقليدية التي تنصب في عمق يصل أحيانا إلى المترين.
الحديث عن جمال الشابة وبهائها لا يستقيم مع ذلك قبل الغوص في ثنايا تاريخها العريق ودعونا نؤكد أن جذور المدينة أمازيغية وإن لم يرد ذكرها إلا في النصوص التاريخية المتأخرة فقد سماها سترابون رأس “ammon balithon” وأطلق عليها بطليموس إسم “cap brachodes” أي الرأس الضحل لكن الاسم الأكثر تداولا أخبر عنه المؤرخ بروكوب وهو “caput vada” أي بداية البحر القصير ولاحقا سوف تعرف المدينة باسم رأس قبّودية.
لم تكن الشابة كما يقول سترابون سوى قرية صغيرة فيها مرفأ ومصائد للتن ومنازل للبحارة وأحواض لتمليح الأسماك وقد كشف عن بعض آثارها قرب برج خديجة وفي المكان نفسه عثر أيضا على الكنز البيزنطي.
كانت الحقبة الرومانية أكثر ازدهارا قطعا فقد انتعش النشاط البحري ونشطت تجارة الزيت ومع أن المدينة عرفت تدهورا واضحا بعد غزو الوندال فإن جيوش الجنرال بليزار التي نزلت خلال القرن السادس في رأس قبودية وسارت إلى قرطاج أعادت الأمور إلى نصابها وقضت على الحكم الوندالي فنهضت “كابوت فادا” مجددا وبنيت مدينة بيزنطية مزدهرة تحيط بها الأسوار كما تم حماية أراضي شبه الجزيرة بخندق طويل يفصلها عن اليابسة.
يؤكد ناجي جلول أن “قصر قبودية” هو وريث مدينة “caput vada” الرومانية وحوله ذلك السور الذي أقامه الامبراطور جوستينيان وهذا السور هو نفسه سور القصر الإسلامي الذي سينقرض في العهد الحفصي”وبعد انقراض قصر قبّودية لا تذكر المصادر التّاريخية إلا برج خديجة …الذي تدعمه من الجهة الغربية منارة دائرية …وهذا المنار هو كل ما تبقى من استحكام يعود إحداثه إلى العصر الأغلبي”.

تبدو قصة الرباط الأغلبي الأقرب إلى الواقع في ما يتعلق ببرج خديجة الذي تم ربط تسميته بخديجة الرصفية لكن مدينة رصفة ليست الشابة وعلى كل فإن المؤرخ الفرنسي بول تروسي يشير إلى أن الرباط قد شيد على أنقاض قلعة بيزنطية . خلال القرن الخامس عشر سوف تهجر المنطقة الأثرية وتبنى الشابة الحالية تدريجيا من قبل سيدي نعمون الأندلسي الذي مازالت زاويته قائمة حتى الآن في قلب المدينة.
نعود إلى منطقة الصيد بالشرافي لنشير إلى وجود رصيف صغير لبحارة هذه المنطقة ، التي تعتبر مع ملولش امتدادا طبيعيا لمصائد أرخبيل قرقنة ، لكن بحر الشرافي ليس بحرا للاستجمام والراحة بالنسبة للأهالي والزوار المقبلين على هذه المدينة الساحلية والذين يمكنهم الاستمتاع في عدد من الشواطئ الأخرى ، الرملية والصخرية وهي بأسماء متعددة حسب الأماكن المطلة عليها فمن شاطئ البرج إلى شاطئ السّير وشاطئ سيدي عبد الله مرورا بشاطئ الدوّيرة.
يبقى شاطئا السير وسيدي عبد الله الأكثر استقطابا للحركة السياحية والتجارية فهذا الكرنيش الطويل الذي تحاذيه بعض الفيلات والاقامات الفاخرة ، وعدد من المطاعم والمقاهي التي تقدم خدمات وأكلات متنوعة ، يمكن الوصول إليه في بعض دقائق من وسط مدينة الشابة اذ المسافة لا تزيد على 4 كيلومترات إجمالا وربما كان العائق الوحيد هو مشكل التنقل لمن لا يملك سيارة خاصة فسيارات الأجرة التي تقصد المنطقة ليست كثيرة لكن مع قليل من الصبر يمكن إدراك الشاطئ مقابل تعريفة رمزية والمشكل نفسه يطرح بالنسبة للقاصدين شاطئ الدوّيرة لكن بأكثر حدة رغم وجود طريق معبد في حالة جيدة إذ لا يوجد نقل إلى هذا المكان ويبقى الحل السيارة الخاصة أو استعمال وسيلة نقل جماعي على الحساب الخاص أو ركوب النقل الريفي وربما كان لموضوع النقل تفسيرا منطقيا فالشابة مدينة مترامية الأطراف تمسح 13522 هكتارا ولهذا السبب يتنقل عدد كبير من سكانها بواسطة الدراجات النارية.
الكثيرون لا يرون في هذه البقعة الفاتنة من تونس سوى تلك الشواطئ التي يناهز طولها العشرين كيلومترا ، والتي يقصدها كل صائفة أكثر من ضعف سكانها بينما هي تضم أيضا واحدا من أكبر موانئ الصيد البحري في تونس وهذا الميناء يوفر 70 بالمائة من إنتاج الجهة وتتمركز به 800 وحدة صيد ويشتغل فيه 3500 شخص.

الشابة هي أيضا غابة الدوّيرة التي أنشأت خلال الستينات بالتوازي مع عدد من الغابات الاصطناعية على سواحل بنزرت والوطن القبلي والساحل التونسي وهذه الغابة التي تناهز مساحتها الـ 700 هكتار تمتد على طول 16 كلم من شاطئ سيدي عبد الله إلى شاطئ العالية المتاخم لسلقطة.
الغابة تحتوي على عدة أنواع من الأشجار بينها الأكاسيا والصنوبر والكلاتوس والبندق وعديد النباتات الزهرية والطبّية ، وتعيش بها بعض الحيوانات والزواحف ، وتمثل نقطة عبور وتعشيش لبعض الطيور المهاجرة.
هي أيضا موقع استثنائي للتخييم وممارسة رياضات الهواء الطلق وقد أنشأ لهذا الغرض مسلك ترابي في وسطها يمكن من مرور العربات والدراجات والمترجلين المغرمين بالرحلات الاستكشافية . في الدويرة يوجد مركز للتخييم والاصطياف يمسح مساحة هامة في قلب الغابة وهو مهيأ لاستقبال الزوار من كل الأعمار ومن الجمعيات والمنظمات الشبابية.
ياسين بن سعد