بني مطير …الجبل ، الشلالات ، الباراج ، الهدوء والجمال
تونس – كنوزنا
على مرتفع قريب من السد الذي بنته شركة (كامبينون – برنار) الفرنسية Campenon-Bernard أنشأت قرية بني مطير الصغيرة سنة 1948 لإسكان المهندسين والعمال الذين عملوا في هذا المشروع الضخم الذي انطلق سنة 1946 وكان بينهم فرنسيون وأوكرانيون. سوف يرتفع السد الذي يتغذى من واد الليل والمياه المتدفقة من أعالي خمير الى 78 مترا ليصبح رمزا لهذه المنطقة الجبلية لكن بني مطير ليست سدا وجبلا فقط بل هي أيضا امتداد ثقافي لمناطق الأمازيغ الذين عاشوا في هذه الجبال الشاهقة وعلى تخومها واذا كانت الأسطورة الشعبية تنسب بني مطير الى قبيلة مطير العربية أو الى إبنيّ الوليّ الصالح “مطير” فان في هذه الجهة من إرث قبيلة بني مطير الأمازيغية الصنهاجية الجذور ما يغلب على كل الأنساب الأخرى .

أيا كان انتماء بني مطير فان تاريخ المنطقة هو تاريخ “الباراج” الذي صممه المهندس السويسري ألفريد ستاكي واحتاج تشييده الى تركيز تلفريك (جمازة جوية) لنقل مواد البناء واقامة مرافق متعددة منها المباني السكنية والإدارية والكنيسة التي أعد مثالها المهندس المعماري جون مارسال سنيوري وهي قد تحولت لاحقا الى روضة لأطفال بورقيبة ثم الى ناد للأطفال .
سوف تتسلم تونس كل المرافق بما فيها الباراج من الشركة الفرنسية كامبينون – برنار ومعها روح هذه القرية الجميلة بمبانيها التي يغطي أسطحها القرميد الأحمر وسوف تظل بني مطير في كل شتاء كما جارتها القريبة عين دراهم تنتظر رداء الثلج الأبيض لتعلن للجميع بهاءها الأخاذ.
الوصول الى بني مطير انطلاقا من العاصمة التي تبعد قرابة الـ 180 كلم ليس عملية شاقة فالطريق السيارة تونس – بوسالم تستهلك القسم الأكبر من المسافة لكن من يقصد هذه الوجهة ومهما كانت نقطة انطلاقه سيمر بقرية فرنانة فمنها بداية المعبد المتعرّج في عمق الجبل على مسافة 15 كلم حتى الوصول الى بني مطير.
المعبدّ ضيق وفي حالة سيئة أحيانا وغير محميّ متى تم التوغل في هذا المسلك الجبلي الطويل الذي تحف به أشجار الكلاتوس والزان والفرنان من الجانبين وبعض البيوت المتناثرة هنا وهناك لكن البساط النباتي الأخضر الممتد على مرمى البصر يوفر متعة حسية لا تضاهيها متعة .
في كل الفصول وفي أغلب الأيام حتى في فصل الصيف فان الهدوء هو السمة الملازمة لهذه القرية التي تستقبل عادة زوارا من تونس وخارجها وعدد هام منهم يأتي في رحلات منظمة أواخر كل أسبوع .
ومع تزايد اهتمام التونسيين بالرحلات الاستكشافية وبزيارة الأماكن التي تتميز بمخزون ايكولوجي متميز بدأت بعض المرافق السياحية تظهر في بني مطير على غرار مركز السياحة الاستشفائية الذي يوفر الإقامة في غرف من الخشب والعلاج بالمياه الطبيعية الحارة مع مطعمين عصريين.

لا شك أن البعض يبحث عن الرفاهة وان كان في منطقة جبلية بعيدة مثل بني مطير لكن سحر هذه المنطقة يكمن قطعا في طابعها المعماري العتيق والبسيط وفي جمال طبيعتها ومن ثمة فان الزائر المهتم بالتفاصيل سوف يسعى الى التأقلم مع إيقاع الحياة في هذه القرية والذي يحوم حول مركز الاصطياف والتربصات ومركز البريد الوحيد وحول المقاهي و”حوانيت” المواد الغذائية والمحلات التي تقدم سندوتشات شعبية وأيضا وبشكل أساسي حول المخبزة اذ هي مركز اهتمام رئيسي لأبناء الجهة كغيرهم من سكان الشمال الغربي عموما فالخبز هنا لن يتوفر بعد ساعات الصباح الأولى إلا نادرا وعلى الأغلب لن يكون هناك خبز بعد منتصف النهار.
لا يمكن قطعا زيارة بني مطير دون الاستمتاع بمنظر الشلالات المتدفقة من أعلى الجبل لا بل إن هذا المكان الذي يبعد 4 كيلومترات عن القرية أضحى علامة مميزة تتوقف عندها السيارات والحافلات السياحية علما بأن المسلك الجبلي كان خضع الى بعض الأشغال حيث تم تركيز لافتة وممر خشبي يمكن من الوصول بيسر الى الموقع الذي كنا نزلنا اليه في مناسبات سابقة وكان خطرا فعلا اذ لا تتوفر به أدنى وسائل الحماية.
بعيدا عن هذا الجانب يبقى صوت المياه الغزيرة والصافية ، النّوتة الموسيقية التي ترنّ في أذنيّ من يصل الى هذا المكان وخصوصا اذا كان منفردا أو مع عدد قليل من الأصدقاء أو أفراد العائلة وهي نوتة رومنسية مدهشة لا يعزفها كمان ولا ناي.
من يقول بني مطير يقول أيضا الباراج الذي دخل الخدمة في 1954 فهو شريان الحياة في القرية التي تقطنها نحو 200 عائلة أغلب أفرادها يعملون في مؤسسات مرتبطة بهذه المنشأة كالكهرباء والغاز والسوناد. باراج بني مطير الذي تبلغ طاقة استيعابه 60 مليون م م إمتلأ عن آخره عقب أمطار العام الماضي الحالي 2026 .
قد لا يهم موضوع كهذا ، الزائر الغريب عن الجهة لكن في غياب الماء سيختل كامل النظام الايكولوجي بالجهة وستفقد بني مطير عنصرا من عناصر جمالها وسحرها ولن يكون هناك تشغيل ولا تنمية ولا منشآت استشفائية أو حركية سياحية وتجارية.
وفي انتظار معالجة هذا المشكل المهم وأيضا الى الجرائم المتواصلة المتمثلة في قطع أشجار الغابة ، يبقى الباراج نقطة جذب سياحي أساسي فحوله مسالك جبلية رائعة يحيط بها غطاء نباتي كثيف متكون من أشجار الفرنان خصوصا ومن شجيرات القضوم والريحان وغيرها من النباتات المميزة لغابات خمير.
في الأخير نذكر بأن 15 كلم هي المسافة الفاصلة بين بني مطير وفرنانة والمسافة نفسها تقريبا تفصل بني مطير عن عين دراهم . واذا كان الزائر (من دون سيارة) فان الوصول الى بني مطير يكون من فرنانة عبر النقل الجماعي أما القادم من طبرقة الى بني مطير فيجب أن يمر عبر عين دراهم ومنها الى فرنانة واذا استقل الحافلة من عين دراهم الى فرنانة فثمن التذكرة في المتناول أيضا.
وفي ما يخص الشلالات فالمسافة كما ذكرنا تقارب الـ 4 كيلومترات ومن الأفضل التوجه الى المنطقة مشيا للتمتع بجمال المناظر الطبيعية اذا كان الطقس مناسبا مع المحافظة على نظافة المكان .
ياسين بن سعد