سليمان …البحر والجامع الكبير وطاحونة الريح
تونس – كنوزنا
عميقة هي جذور مدينة سليمان التونسية لكن تاريخا واضحا ودقيقا لها لم يكتب إلا بعد استقرار الأندلسيين فيها سنة 1610 م.
البعض أرجع إنشاء المدينة إلى الفينيقيين خالطا بينها وبين مغالوبوليس وآخرون سموها كازولا الرومانية في حين لم تكن في الموقع الحالي خلال الفترة القديمة إلا حقول الزيتون وبساتين القمح وتجمعا سكنيا إسمه غوميس شمالا إلى الشرق على مسافة من ماكسولا (رادس) هو تجمع لفيلات بعض الأغنياء.
لم تكن سليمان موجودة إذن ككيان حضري على عكس كاربي أو كاربيس وهي سيدي الرايس الحالية بمينائها العتيق أو قربص ÀQUAE CARPITANAE وكانت مقصد الأثرياء والنبلاء للراحة والإستجمام.

سوف تعرف سليمان في كتب الرحالة العرب باسم قصر جهم وهو البرج الأغلبي الذي كان نقطة للمرابطة والمراقبة البحرية. ولم يتغير هذا الدور المرابطي خلال الحقبة الحفصية ، وأما سليمان الحالية وكما عرفت منذ الفترة العثمانية فهي مدينة الموريسكيين التي شيدت حول برج أبي سليمان (برج البليدة) الذي ينسبه البعض إلى الشيخ المرابط أبي سليمان ربيعة الجزري وإن كان ناجي جلول في دراسته عن الرباطات البحرية يرى أن “التسمية الحالية تعود إلى العهد الحفصي وتخلد ذكرى أحد أحفاد سيدي داود النوبي”.
أندلسية التأسيس والروح هي سليمان إذن وينقل الدكتور علي منتصر الكتاني في كتابه “انبعاث الإسلام في الأندلس” عن الرحّالة فرانشيسكو خيمينيز أن المدينة ” في 1731 م كان سكانها حوالي 4500 نسمة ثلثهم أي حوالي 1500 نسمة أندلسيون وفي سنة 1862 م كانت أحوال البلدة قد ساءت بسبب هجوم الأعراب المتكرر حتى أصبح عدد سكانها 700 شخص أكثرهم غير أندلسيين”.
يضيف فوزي مستغانمي في دراسته التي بعنوان “العلاقات الإجتماعية في سليمان من خلال دفاتر العدول” معطيات أخرى حول هذا التراجع الكبير في الحضور الموريسكي فيشير إلى أنه انطلاقا من منتصف القرن 17 وإلى نهاية القرن 19 اضطر الأندلسيون للاقتراض من اليهود الذين كانوا يمارسون عمليات ربى مشطة ، وهؤلاء قد تسببوا في إفلاس كثير منهم وفقدانهم لممتلكاتهم ومغادرتهم المدينة لكن هذه الهجرة الداخلية كانت لها أيضا أسباب أخرى منها أطماع البايات في أملاك الأندلسيين.
كان من نتائج هذه الهجرة أن انقطعت عدة أسماء أندلسية من المدينة أبرزها اللونغو ومسنيكو وكاستليانو وبن ديكو وبلانكو وتانداليكو وباتيستا وروخو وبونو والريكلي ولم تتبق إلا بعض العائلات أبرزها ماضور(amador) وليبيرسو وباسكوال وبن إسماعيل والري وجحا والريشيكو (rey chico) والعائلة الأخيرة تنحدر من آخر ملوك غرناطة الذين سقطت بسقوطهم الأندلس .

من جرح التغريبة إلى مطامع الحكام سار الأندلسيون لكن رغم الظلم المسلط عليهم فإنهم تركوا آثار عظيمة أبرزها الجامع الكبير الذي انطلق بناؤه في 1610 واكتمل في 1616 وهو من دون شك معلم فريد من نوعه فقد وضع فيه بناته عصارة خبرتهم الهندسية فجاء كما خططوا له تحفة معمارية راسخة البنيان ، بديعة المكونات ، مستفيدة من بعض خصائص جامع قرطبة وقد بيّن مؤرخنا الكبير سليمان مصطفي زبيس ما تفرد به عن غيره من الجوامع الأندلسية وخصوصا صومعته التي تعد كما يقول “من أجلّ وأضخم ما جاء في العمارة الأندلسية بتونس” من ذلك أن هذه الصومعة بها مدرج لولبي من دون قلب ، لكن عدة عناصر أخرى تميز الجامع من بينها المنبر الذي يعتبر “قطعة فنية رائعة”، والسقف المغطى في قسمه الأعلى بالخشب والقرميد والمبني بالحجارة في مستوى السطح وهذه الطريقة كما يضيف زبيس ” جاء بها الأندلسيون… وهي تدفع المياه لميل السقوف العليا، بسرعة فلا يبقى مجال لتجمعها فوق السطح، ولا تترك مجالا للرطوبة أن تبقى”.
مع الجامع تركت لنا العمارة الأندلسية أيضا معلما رائعا لا يوجد له نظير في أي مكان آخر في تونس هو طاحونة الريح ، وهذا المعلم “المخبّأ” بين مجموعة من المنازل القديمة يرجع بناؤه إلى القرن السابع عشر تاريخ قدوم الموريسكيين وهو من دون شك أحد أقدم المعالم إلى جانب برج البليدة الذي تخفيه دكاكين وعربات السوق البلدي بسليمان ولعل هذا البرج الذي كان يعرف ببرج أبي سليمان هو الأكثر ارتباطا بالأسطورة الشعبية إذ يعتقد أبناء المدينة أن النفق الذي فيه بطول عدة كيلومترات ويوصل إلى شاطئ الجهمي.
بمحاذاة البرج يوجد أيضا حمام سيدي عبد العالي أو حمام الشفاء المغلق حاليا والذي يعود بناؤه إلى 1620 وقد سمّي باسم الولي الصالح سيدي عبد العالي تبركا به.
بالإضافة إلى هذا العمق التاريخي والحضاري تظل سليمان بالأساس مدينة بحرية تتنفس نسمات الأزرق الكبير وتنتشي بهدير الأمواج الآتية من الآفاق البعيدة ولعل أطلال قصر جهم التي على شاطئ الجهمي تلخص قصة البحر في هذا المكان فهو النافذة الأولى على العالم الخارجي ومصدر الخيرات قبل أن يأتي الاندلسيون بتقنياتهم الزراعية وتنتشر البساتين الغناء.
تمتد سواحل سليمان على مسافة 8 كيلومترات إنطلاقا من برج السدرية غربا وحتى المريسة شرقا وفي هذه المساحة الجغرافية شواطئ الجهمي وسوليمار والبرارك والميديسي وهذه الشواطئ الرملية معرضة لمجاري الأودية وزحف الأحياء السكنية ما يجعلها مهددة بالتلوث والانجراف البحري دون أن يسلبها ذلك جمالها الذي تستعيده برحيل المصطافين ، ومعه تسترجع أيضا هدوءها المعهود الذي يجتذب هواة الرياضات البحرية أو السباحة في هذه الفترات من العام.
ياسين بن سعد