سلقطة …موطن الحضارة والجمال
ميناء الصيد البحري بسلقطة
تونس – كنوزنا
مدينة عتيقة، هي سلقطة ضجت على مر تاريخها بقصص المحاربين والبحارة والبنائين والخزافين والنبلاء، وهي أيضا مدينة خلابة بساحلها الذهبي الطويل ومياهها الكريستالية وموقعها الاستراتيجي وخيراتها التي لا تنقطع ما يجعل الإفلات من شراكها أمرا مستحيلا فمن يسكنها لن يخرج منها إلا غصبا ومن يزورها لا بد أن يعود إليها طال الزمن أم قصر.
منذ القديم كانت سلقطة البونية (Alipota) وسليكتوم الرومانية Sullectum ، بقي أن سلقطة ليست فقط هذه المدينة المحصورة بين زمنين إذ هي أيضا موطن اللوبيين أبناء البلد الذين اختلطوا بالبحارة الفنيقيين وأنشؤوا مجموعة بشرية تسمى اللوبيفينيقينيين (les Libyphéniciens) وثقافة مشتركة وفريدة من نوعها في Byzacium ،كما كانت تسمى تلك المنطقة من تونس القديمة.
سوف تعرف سلقطة أوج ازدهارها خلال القرن الثاني فهي قد أصبحت ميناء بحريا رومانيا يصدر المنتجات المرتبطة بخيرات البحر ومصبرات الأسماك garum salsamenta ثم لاحقا سوف تتوسع وتنمو تجارتها مع مرفإ روما (ostie) لتشمل تصدير الزيت والخزف وستصبح بها حامية عسكرية وستكون جزءا مهما من الطريق الروماني الذي يمر بمحاذاة الساحل عبر حضرماتوم (سوسة) وتابسوس (البقالطة) وصولا إلى كابوت فادا (الشابة) وتيسدروس (الجم)
الوصول إلى سلقطة سهل وإذا كانت أغلب المسالك تلتقي بالضرورة مع الطريق السيارة فإن الرحلة من الجنوب قد تعبر على مقربة من نقاط بحرية متعددة وصولا إلى الشابة وقرية الغضابنة لتصبح أكثر متعة لكن وفي كل الأحوال فإن الزائرين قد يمرون عبر المهدية التي تبعد 13 كيلومترا ثم قصور الساف الواقعة على مسافة 5 كيلومترات.
يخيم الهدوء خريفا وشتاء على سلقطة ولا يسمع إلا صوت الأمواج المتكسرة على شواطئ الكرنيش وحسي فرحات والمناقع في معزوفة مبهجة ومريحة للأعصاب فالمدينة تتخلص من ضجيج الآلاف من زوارها الذين يقصدونها صيفا، ومن ثمة فليس أفضل من هذه الفترة أو من فصل الربيع لاكتشاف المخزون الطبيعي والأثري للمدينة والاستمتاع بالأزرق الكبير والمشي (أو السباحة لمن استطاع) على رمال عدد من الأحواض البحرية وأشهرها شواطئ الجول أو سيرا على الكرنيش الطويل الذي تمت تهيئته ليصبح في وسع العائلات الجلوس وتناول بعض المأكولات أو المشروبات الساخنة.
من يقول سلقطة فلا شك أنه يقصد أيضا مجموعة ضخمة من الكنوز الأثرية من بينها الميناء التاريخي وعديد الآثار الفنيقية والرومانية والبيزنطية الغارقة في البحر أو هي في باطن الأرض ومنها قصور فخمة لكبار التجار والعسكريين لكن بعض المواقع المكتشفة تحكي بدورها عراقة سلقطة والدور الذي لعبته في العصور السحيقة ولعل أشهرها مصنع السمك والحمامات الرومانية.
في سلقطة أيضا بقايا مقبرة بونية ودواميس «غار الضبع» التي مازالت حتى اللحظة محل جدل بين الباحثين فكثيرون يقولون إنها مدافن رومانية مسيحية فيما يذهب البعض إلى طرح فرضية أخرى وهي كونها مدافن لأشخاص من ديانات غير موحدية وفي غياب استكشاف معمق ودقيق لمحتويات هذا الغار سوف تظل الأساطير المتعلقة به حاضرة في الذاكرة الجماعية.
لعل أشهر هذه الأساطير ما ذكره البكري في “المسالك والممالك” من أن الكاهنة لما حوصرت في قصر الجم «بنت سربا (نفقا) في صخرة صماء من هذا القصر إلى مدينة سلقطة يمشي فيه العدد الكثير من الخيل وكان ينتقل إليها فيه الطعام وسائر ما تحتاج إليه» وأما التيجاني فهو يضيف في كتاب رحلته أن الكاهنة كان لها شقيقة بسلقطة وهي من كانت تزودها بالمؤونة.
أيا كانت السردية الأقرب إلى الواقع فإن سلقطة لم تكشف بعد عن كل مخزونها الأثري الذي يعكس ازدهارها الكبير خلال الحقبة الرومانية خصوصا ولعل لوحة الأسد الفسيفسائية العملاقة المكتشفة سنة 1958 والمعروضة في المتحف تكشف جانبا من هذا الازدهار فهي كما أشار إلى ذلك الباحث الفرنسي ومحافظ متحف سوسة سابقا (لويس فوش) جزء من فيلا فخمة لأحد مصنعي السفن يدعى (Leontius).

بعيدا عن إرثها التاريخي العريق تظل هذه المنطقة الجميلة من تونس بالأساس ميناء للصيد البحري يتمركز به عشرات البحارة الذين يمارسون الصيد الساحلي بمراكبهم الصغيرة وبوسائل تقليدية وربما هذا ما يجعل سمك سلقطة مميزا مقارنة بذاك الذي تجلبه «بالانصيات» الموانئ الكبرى.
بحر سلقطة مازال يمنح خيراته وفي شهر أكتوبر قد يجلب البحارة محصولا قياسيا (ميسرة) من سمك الميلة فتصل أصداؤه إلى كل المدن والقرى المجاورة لكن الميلة ليست فقط ما يوجد هنا فالبحر يعطي كل الأنواع وحتى القرنيط والسوبيا فيتوفران في مواسم صيدهما بكميات كبيرة.
على الشواطئ الرملية والصخرية أيضا قصة عشق لا تنتهي بين البحر وهواة الصيد وقد يصادفك آباء وأطفالهم وقد نصبوا قصباتهم فوق الصخور أو في الرمال على أمل الظفر بسمكة.
إعداد ياسين بن سعد