الجامع الكبير بسوسة…آثار الأغالبة مآثر المرابطين
تونس – كنوزنا
يشكل الجامع الكبير من دون شك معلما فريدا من نوعه قياسا بكل الجوامع القديمة التي في بلادنا فهو في الأصل إمتداد للتحصينات العسكرية المحيطة به وبصفة خاصة الأسوار والرباط.
كانت النواة الأولى للتجمع العمراني الذي تشكلت حوله مدينة سوسة التاريخية متمثلة في الرباط الذي أمر ببنائه يزيد بن حاتم المهلبي في 775 م وهذا الرباط سوف يكون خلال فترة حكم زيادة الله الأول الأغلبي أساس المنظومة الدفاعيّة حيث أعيد بناؤه (206 هـ / 821 م) ليصبح متركبا من طابقين عوضا عن طابق واحد وأضيفت عديد الغرف ومسجدا وشيدت المنارة لتراقب المدينة وحركة الملاحة في البحر الذي كانت أمواجه تعانق أسوار المدينة.
لم تكن سوسة لما دخلها المسلمون الفاتحون سنة 654 م وكما يقول ناجي جلول في بحثه المتعلق بالرباطات البحرية “سوى مركز عسكري صغير تحول إلى قرية بعد انهيار السلطة البيزنطية وهذا المركز لن يعمر إلا في منتصف القرن التاسع الميلادي لما توافد عليه المرابطون”.
وبالإضافة إلى ذلك سوف يبني الأمير زيادة الله دار الصناعة (مصنع السفن) التي ستمنح المسلمين قوة بحرية لتتحول سوسة من نقطة عسكرية هامشية إلى قاعدة بحرية قوية منها انطلق أسد بن الفرات لفتح صقلية (212 هـ / 827 م).
توفي زيادة الله الأول في 11 جوان 838 م تاركا لأخيه أبي عقال الأغلب بن إبراهيم دولة قوية سوف تعرف في عهده الإستقرار لكن فترة حكمه لم تدم سوى أقل من ثلاث سنوات فقد توفي في فيفري 841 م وخلفه إبنه اليافع أبو العباس محمد الأول الذي لم يكن سنه يتجاوز العشرين عاما ، وهذا الأمير سيبقى في السلطة نحو 16 سنة هو الذي سيأمر ببناء جامع سوسة الكبير.
لم يكن محمد الأول كما ورد في أغلب المصادر التاريخية أفضل الأغالبة لكن الأقدار ساقته إلى هذا المنصب المهم في فترة تاريخية مفصلية مرتبطة بالفتوحات الإسلامية وقد قدم الدكتور محمد الطالبي في كتابه حول التاريخ السياسي للدولة الأغلبية وصفا في غاية الدقة لهذا الأمير إذ يقول “كانت سنّه لا تجلب الإحترام حقا وكذلك خلقه وكان أمرد في مجتمع لم يتعرف على استخدام الموسى وبه تجعل اللحية من الشخص رجلا …والذي زاد الطين بلة أنه كان عاقرا بين أناس يعتبرون الفحولة والصبيان جزءا من مميزات القائد الطبيعية والخلاصة أن محمد الأول كان مصابا بأكثر من عيب مطلق فهل استبدل عيوبه البدنية الحقيقية بخصال أخلاقية وفكرية ممتازة؟ كان قطعا موصوفا بالحلم والجود ووصف أيضا انه كان مظفرا في حروبه لكن لم يخف علينا كذلك أن مزاياه الفكرية كانت ضئيلة فكان قليل العلم كما ذكر بن عذاري ولم يتوقف النويري لتلطيف القول بل ذكر بكل وضوح أنه كان من أجهل الناس لكنه أعطي في إمارته ظفرا على من ناواه”.
لم يخل عهد محمد الأول من القلاقل فقد قاد شقيقة أبو جعفر أحمد بن الأغلب في أفريل 846 م تمردا تمكن إثره من التخلص من الوزير بن حميد ونفوذ عائلته شديدة الثراء وأصبح المتصرف في شؤون الإمارة لمدة سنتين تقريبا قبل أن يتمكن الأمير من إستعادة السلطة بمساعدة عدد من رجال الدولة وقادة الجند وأنصاره وعبيده وبدعم من ابن عمه أحمد بن سوادة ، ولا شك أن هناك عنصرا آخر قد سهل إلى حد كبير نجاح تحرك الأمير كما أشار إلى ذلك محمد الطالبي وهي تغليب شقيقه أبو جعفر للمذهب المعتزلي في مجتمع نشأ على المذهب السني وقد بلغ من ظلم وجور هذا الأخير أن قاد الامام سحنون أشهر فقهاء العالم الاسلامي إلى محكمة القاضي المعتزلي ابن أبي الجواد لكنه لم يوعز بقتله ، فلما استرجع محمد الأول حكمه عزل ابن عبد الجواد وولى سحنون القضاء موطدا من خلال هذا الإجراء علاقته بالرعية.
رغم تقلب الظروف السياسية فإن عهد أبي العباس محمد لم يخل من الإنجازات المعمارية والعسكرية ومن أهمها الجامع الكبير الذي أمر ببنائه في 236 هـ / 850 م وقد كلف بهذا العمل مولى له إسمه “مدام” كما تدل على ذلك النقيشة المثبتة بأعلى رواق البهو وهذا الرواق هو واحد من بين أربعة أروقة محيطة بالصحن 3 منها تعود إلى الفترة الأغلبية فيما الذي أمام بيت الصلاة يرجع إلى الفترة الزيرية (القرن 11 ميلادي) وقد شهد هذا الجزء من الصحن عدة ترميمات أهمها كان خلال الفترة المرادية (1675 م).
لا يبعد الجامع سوى عشرات الأمتار عن الرباط وهو الحصن الذي كان يحمي المدينة ، ولعل هذا ما يفسر عدم وجود مئذنة فالأذان كان يرتفع من منارة الرباط فيما هو الآن يرتفع من قبة البرج الشمالي الشرقي لكن ليس غياب المئذنة فقط هو ما يميز الجامع الكبير وإنما العمارة السوسية التي جمعت أنماطا هندسية متعددة سواء في تشكيل الفضاء الخارجي المتمثل بالأروقة والصحن وما يعلوهما من أبراج وقباب أو في بناء الفضاء الداخلي المتمثل في بيت الصلاة وهذه الأنماط تنهل من العمارة الأغلبية والزيرية خصوصا مع بعض التأثيرات الأخرى.
لا يتجلى تميز هذا المعلم الديني الأغلبي فقط في تصميمه وما احتوى عليه من نقوش وكتابات باللغة الكوفية وخصوصا في المحراب البديع الذي يعود إلى الفترة الزيرية ، فالحجارة المنحوتة التي استعملت في تشييده عكست أيضا هذا التميز وجعلت من الجامع بناية منيعة تتكامل مع باقي المنشآت الدفاعية ومنها القصبة التي بنيت سنة 851 م من قبل خلف فتى الأمير والتي مازال برجها يعرف حتى الآن يعرف ببرج.
لم تتوقف إنجازات أبي العباس محمد الأول على الجامع والقصبة فهو قد بنى أيضا بعض المحارس على طول الساحل نذكر من بينها قصر سهل وقصر الطوب بقي أن الإنجاز الأهم كان ترسيخ المذهب السني / المالكي وتولية سحنون القضاء وعن ذلك قال الإمام سحنون “أعطاني كل ما طلبت …حتى أني قلت له أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك …فقال لي نعم لا تبدأ إلا بهم وأجر الحق على مفرق رأسي فقلت له ، الله فقال لي ، الله ثلاثا”.
إعداد : ياسين بن سعد