مدرسة بير الأحجار…مقر الترجي التونسي وفخامة المعمار
مدرسة بير الأحجار
لم يكتمل بناء مدرسة بير الأحجار الا بعد عام من رحيل مؤسسها علي باشا عرٌاب الحرب الأهلية التونسية التي عصفت بتونس وأودت بحياة الباي حسين بن علي قبل أن تزهق روح الباشا نفسه على أيدي أبناء الباي المقتول.
في العرف العثماني كانت كلمة الباشا مرتبطة بموظفي الدولة المكلفين بادارة شؤون البلاد قبل أن تفقد هذه الوظيفة سلطتها لفائدة الدايات من عساكر الترك ثم لفائدة البايات المكلفين في الأصل بتحصيل الجباية من السكان لكن لعل أكثر شخصية ارتبطت بلقب الباشا هي علي باي الأول سليل الحسينيين الذي تمرد على عمه حسين مؤسس الدولة الحسينية بعد أن حرمه من ولاية العهد وفرض عليه الإقامة الجبرية في دار رمضان باي وهي أحد قصور مدينة تونس.
من داره هذه ومن صباط السيارة تحديدا بنهج بئر الأحجار هرب علي باشا سنة 1735 الى باب القرجاني رفقة عدد من أنصاره ومن هناك الى جبل وسلات ثم الى الجزائر. يوم 4 أوت 1735 عاد الباشا من الجزائر بدعم عسكري كبير وسيطر على مدينة تونس وهرب حسين باي وأولاده الى القيروان لكن المدينة التي حاصرها يونس بن علي باشا وبعد مقاومة شرسة سقطت يوم 13 ماي 1740 ليتمكن يونس من الامساك بعمه الهارب صحبة بعض خاصته ولمّا همّ بإعدامه قال له عمه حسين باي “أتخضّب شيبي بدمي يا يونس وقد ختنت أباك في حجري فأجابه… الملك عقيم يا سيدي”.
قطع رأس حسين باي وبدأ حكم علي باشا لكن هذا الحكم لم يدم طويلا ففي 31 أوت 1756 تمكن ابنا حسين باي بمساعدة جيش سخره داي الجزائر من دخول العاصمة والقاء القبض على علي باشا ثم اعدامه خنقا يوم 22 سبتمبر لتعود السلطة الى الحسينيين الذين سيبقون في الحكم حتى اعلان الجمهورية في تونس.
رغم قصر المدة التي قضاها في السلطة فان لعلي باشا بعض “الانجازات الوطنية” والمآثر الحضارية التي يذكرها له أعداؤه قبل أصدقائه ومنها استعادة طبرقة التي أخذها الجنويّون دون مقابل وكان تحرك علي باشا مدفوعا بالتقاط رسالة سرية تؤكد اعتزام الجنويّين بيع طبرقة الى فرنسا التي خططت للسيطرة على شمال افريقيا.
تذكر المراجع الفرنسية أنه بين 12 و18 جوان 1741 تمكن القراصنة التونسيون الواصلون بحرا ويونس ابن علي باشا القادم برّا من دخول المدينة التي كان فيها نحو 2000 نسمة وأسر 800 شخص من الجنويّين والأوروبيين الذين حملوا الى تونس وبعد شهرين تقريبا وتحديدا يوم 16 أوت 1741 استعاد يونس مصرف كاب نيقرو من الفرنسيين ولم يترك لهم شيئا وحتى الحملة العسكرية التي قادتها فرنسا لاحتلال طبرقة فقد منيت بهزيمة نكراء وأدت الى قطع رؤوس 27 فرنسيا وأسر 227 جنديا وتعليق رؤوس القتلى في باب البحر.
بالاضافة الى اهتمامه بالبعد العسكري والاستراتيجي تولى علي باشا بناء بعض المؤسسات الدينية أبرزها قطعا المدارس التي تعرضنا سابقا الى بعضها وهي العاشورية سنة (1746) والباشية (1752) والمدرسة السليمانية (1754) ومدرسة بئر الأحجار التي أمر ببنائها في 1756 فلم يكتمل تشييدها الا في 1757 بعد وفاته وهذه المدرسة المصنفة كمعلم تاريخي منذ 25 جانفي 1922.
في كتابه تاريخ معالم التوحيد يقول محمد ابن الخوجة”هذه المدرسة هي آخر المدارس التي توفق لبنائها الباشا علي باي الأول ، أحدثها في آخر مدته ومات قبل تهيئتها للسكنى فأتمّها صهره رجب ابن مامي …وهذه المدرسة خصها صاحبها بسكنى طلبة العلم من المالكية …ووقف عليها أوقافا جارية لهذا الزمان …وكان من مشائخها الشيخ أبو الحسن علي السقاط …فلما توفي أسند الباي مشيخة المدرسة باشارة من الشيخ محمد بيرم الثالث الى العلامة الشيخ محمد النيفر …وفي أوائل هذا القرن (الماضي) وقع تخصيص هذه المدرسة لانتصاب مدرسة المؤدبين”. تحولت المدرسة بعد ذلك الى مركز للتدريب المهني (1939) كما وظفت كمقر للترجي الرياضي التونسي وفي 24 أكتوبر 1991 أصبح هذا الفضاء الذي يتبع بلدية تونس مركزا ثقافيا يحتضن تجارب المبدعين وينظم مختلف العروض الثقافية .
خضعت مدرسة بئر الأحجار خلال الفترة الماضية الى بعض الأشغال ورغم أن الفضاء كان مغلقا أمام العموم فقد تمكنا من زيارته والحقيقة أننا وجدنا في أبهى حلة ما يتماشى مع المكانة التي يستحقها كأحد أجمل القصور التاريخية ان لم نقل انه الأجمل في المدينة العتيقة .
من الناحية الهندسية تتميز مدرسة بئر الأحجار بمدخلها التقليدي المتمثل في سقيفة بها دكانات للجلوس وتزين جدرانها لوحات خزفية بديعة ونقوش جبسية. و تؤدي هذه السقيفة التي تعلوها 3 قباب الى فناء واسع مربع يضم 4 أروقة مطلة على الغرف التي كانت في مضى مخصصة لسكن الطلبة الزيتونيين .
يستند كل رواق الى 5 أعمدة عالية بتيجان ذات طابع عثماني وتعلو هذه الأعمدة أقواس في شكل حدوة حصام ملونة بالأبيض والأسود أما جدران الفناء فمن الواضح أنها الأكثر بهاء مقارنة بكل المدارس الدينية الموجودة في المدينة العتيقة ويبرز ذلك من خلال الجليز الذي يزينها ويرتفع الى ما فوق أبواب الغرف في تناسق تام مع النقوش الجبسية.
هذه الجمالية الساحرة يلمسها الزائر في الفضاء الخارجي كما في الفضاء الداخلي من خلال الأشكال الهندسية والنباتية والألوان المستعملة والتي تعكس مجهودا كبيرا في تثمين هذا المعلم التاريخي الذي يستمتع الزائر حقا بالتجول داخله.
ياسين بن سعد