قصر الجنرال رشيد الذي أصبح كنيسة
مات الجنرال رشيد مغدورا من الباي الذي باع تونس للاستعمار الفرنسي
يحتضن نهج المدرسة في المدينة العتيقة وتحديدا منطقة باب الجديد معلما تاريخيا مسيحيا يعود الى نهاية القرن التاسع عشر هو كنيسة مريم العذراء Église Notre-Dame-du-Rosaire صاحبة المسبحة.
هذه الكنيسة هي واحدة من الكنائس المسيحية المعروفة في مدينة تونس لكن الكنيسة الأقدم هي كنيسة الصليب المقدس التي بنيت سنة 1662 وهي بنهج جامع الزيتونة علما بأن هاتين الكنيستين تنفردان بوجود ناقوس في أعلى كل واحدة منهما.
لا يعد الحضور المسيحي في تونس حديثا في الواقع فهو يعود الى العصور الأولى خصوصا مع سبريانوس أسقف قرطاج ومؤسس الكنيسة الافريقية خلال القرن الثالث ميلادي وقد تواصل هذا الحضور رغم تعاقب الغزوات الخارجية وتعدد الأعراق والعائلات الحاكمة وصولا الى العهد الاسلامي وما تلاه من ممالك موحدية وحفصية وعثمانية ولعل الحضور المسيحي قد بلغ أوج قوته خلال الفترة الاستعمارية فامتلكت المسيحيون قرابة الـ 900 هكتار من الأراضي الفلاحية و203 بناية منها 107 كنيسة ومصلى اضافة الى 47 ديرا للرهبان و33 مدرسة ومصحة خاصة وعددا من المؤسسات والمنشآت الأخرى.

كليمون كومب
اضطلع الاسقف الفرنسي كليمون كومب بدور أساسي في بناء كنيسة السيدة العذراء صاحبة السبحة فهذا الرجل الذي درس التعاليم المسيحية في مدينة البويرة الجزائرية وتدرج في مختلف المناصب الكنسيّة بالجزائر حتى أصبح النائب الاول لشارل لافيجري أسقف الجزائر وقرطاج ومؤسس جمعيتي الآباء والأخوات البيض هو الذي اشترى سنة 1896 (دار الجنرال رشيد) الملحقة أو هذا الجزء من قصر الجنرال الذي قاد الجيش التونسي في حرب القرم ومات مقتولا رفقة العادل باي بأمر من محمد الصادق باي ليدفن في الحجامين وسط ذهول من عرف استقامة هذا العسكري .
سعى كليمون كومب الذي اختير أسقفا لقرطاج من خلال انشاء الكنيسة الى استيعاب المصلين الذين ضاقت بهم كنيسة سانتا لوسيا المخصصة للمهاجرين الصقليين والتي كان مقرها بنهج السبخة بسيدي البشير عبارة عن مستودع صغير لا يتسع لأكثر من 150 شخصا .
أسند تسيير هذه الكنيسة الى الطائفة الكاثوليكية المسماة الساليسيانية نسبة الى سان فرانسوا دي ساليس والتي أسسها سان جون بوسكو في مدينة طورينو الايطالية في ديسمبر 1859 وهذه الطائفة لا تكتفي بتدريس التعاليم المسيحية للاطفال والشبان بل تقوم بمهام أخرى منها توفير التعليم المهني والانشطة الثقافية والرياضية واسناد الرعاية الاجتماعية للفقراء.
يصف “جاك ريفو” في كتابه عن قصور ومنازل تونس وصفا دقيقا هذا المعلم التاريخي الذي أدخلت عليه عدة تغييرات فالفناء الذي تحيط به أروقة كل منها بثلاثة لم يعد يشرف كالعادة على الغرف الاٍرضية التي كان عددها في حدود الاربعة اذ تم استغلال المساحة لتوسيع قاعة الصلاة على خلاف الطابق العلوي الذي احتفظ بخزفه ذي الرسوم الجميلة وبنقوشه الجبسية واسقفه الخشبية الملونة .
مركز ثقافي
فقدت هذه الكنيسة وظيفتها كمركز للعبادة بعد مغادرة أغلب الايطاليين لتونس إثر الاستقلال وفي جويلية 1964 أمضى الفاتيكان اتفاقية مع الحكومة التونسية تسلمت بمقتضاها الدولة أملاك الكنيسة مع التعهد بأن يتم استغلالها للمصلحة العامة لتغرق هذه البناية في الاهمال والنسيان لبعض الوقت ثم تم تثمينها و تحويلها الى “المركز الثقافي حسن الزمرلي” تكريما لرجل المسرح المعروف لكن هذا الفضاء الثقافي أغلق بعد انهيار سقف البناية وعاد الصمت المطبق ليلفه من جديد وهو الذي عبثت به بعض الايادي بعد الثورة كغيره من المعالم التاريخية.
في المرة الأخيرة التي زرنا فيها المبنى بدت قاعة الصلاة في حالة سيئة جدا وهذا بيّن من تكدس الحجارة والاتربة لكن كنيسة سيدتنا (مريم) المسبحة لم تتضرر فقط في جزئها الأرضي فقد شملت الأضرار أيضا الجزء العلوي الذي انهار قسم من ارضيته وتهالكت جدرانه وتضعضع المدرج المؤدي إليه وتهاوت بعض مكوناته.
ياسين بن سعد