سليمان ومنطقتها : دراسة في التاريخ المحلي URBAIN ESPINE ترجمناها لكم إلى العربية
مدينة قربص الاستشفائية بتونس
قرأنا نصا / دراسة للمدرس والباحث التاريخي الفرنسي أوربان إسبين حول الوطن القبلي وتحديدا سيدي الرايس وقربص وسليمان خصوصا نشر ضمن النشرة الاقتصادية والاجتماعية لتونس (Bulletin économique et social de la Tunisie) وهو نص وصفي جميل يمزج بين التاريخ والمشاهدة المباشرة ويرصد التحولات التي شهدتها هذه المنطقة ونقدمه لكم مترجما من الفرنسية إلى العربية ببعض التصرف …عنوان هذه الشهادة أو الدراسة إن صحت العبارة :
سليمان ومنطقتها : دراسة في التاريخ المحلي
“بمجرد سماع إيقاع كلمة سليمان، يتضح جلياً أن أصل هذه القرية لا يمكن إلا أن يكون عربياً. في العصر الروماني، ومهما أوغلنا في التاريخ، سنرى أنه لم تكن هناك سوى مساحات زراعية في الموقع الحالي للبلدة.
كانت مدينة غوميس الرومانية موجودة أبعد قليلاً نحو الشمال الشرقي، بين سليمان الحالية ووادي بزيرك (oued Bezirk). وهي لم غوميس ميناءً إذ لم تسمح طبيعة ساحلها المنخفض بذلك قط، وكان سكانها أساساً من المزارعين. ومن ناحية أخرى، سيكون من العبث البحث عن تجمع سكاني مأهول كالقرية الحالية، فقد كانت غوميس شاسعة الامتداد وبيوتها متناثرة وسط غابة من أشجار الزيتون. كانت مركزاً يتألف من فيلات فخمة، لا تزال توجد منها بقايا نادرة ولكنها أنيقة.
إن غابة الزيتون الحالية حديثة العهد، لكن كانت هناك غابة أخرى في العصور القديمة، وكان إنتاج زيت الزيتون هو النشاط الرئيسي لسكان غوميس. كما كانت لديهم أراضٍ لزراعة الحبوب وأراضٍ لتربية الماشية من جهة قرمبالية والخنقة (Khanguet)، ولكن يبدو أن المنتجات كان يستهلكها الفلاحون أنفسهم. وفي المقابل، كان هناك فائض في الزيت، وهذا الفائض يُصدر عبر كاربي (Carpi)، وهو الميناء الذي كان بمثابة منفذ للمنطقة بأكملها وكانت غوميس تعتمد عليه اعتماداً وثيقاً.
في ذلك الوقت، كان الاتصال البري بالعاصمة أقل استخداماً ونادراً ما يُفكر فيه؛ لأنه كان يتطلب التفافاً كبيرا لتجنب البحيرة ثم الصعود نحو قرطاج. كانت الحياة الاقتصادية والإدارية والروحية موجهة نحو العاصمة عبر كاربي، التي كانت مدينة كبيرة وميناءً ضخما. كانت حاضرة المنطقة بأسرها، توفر صلة وصل سريعة ومريحة عبر المسار البحري مع قرطاج، العاصمة التي كانت تهيمن على البحر من الجانب الآخر لخليج أوتيك (sinus uticensis)، المعروف اليوم بخليج تونس.
كاربي (Carpi) – سيدي الرايس حاليا
كان ميناء كاربي يقع على بعد حوالي عشرة كيلومترات شمال شرق غوميس، في الموقع الحالي لـ سيدي الرايس والمريسة. كانت المدينة، المحمية جيداً من رياح الشمال والشمال الشرقي عند سفح هضبة تاكلسة، مهمة وحيوية. كانت الهضبة الغنية توفر الحبوب، بينما كان السهل الممتد من غوميس إلى كاسولا (بني خلاد) ينتج الزيت بكميات كبيرة. ومن الجبل الذي كانت تستند إليه، كانت تُستخرج الحجارة بكثرة.
لا يزال من الممكن العثور على رصيف الميناء الذي يمتد في البحر لأكثر من كيلومتر واحد. وعلى الأرصفة، كانت تتكدس الزيوت والخمور والحبوب والفواكه، وهي قوت قرطاج العظيمة، في حين كانت كتل الحجارة المتراكمة هناك مخصصة لبناء معابدها وقصورها.
لقد ازدادت أهميتها أهميتها تدريجيا وجعلها قيصر مستعمرة أطلق عليها اسم مستعمرة جوليا كاربيتانوروم (Colonia Julia Carpitanorum) ثم تحولت لاحقاً إلى أسقفية اكتسبت بعض الاهمية، حيث أرسلت كاربي أسقفين إلى مؤتمر قرطاج، ونعثر على ذكر العديد منهم في مجلس سنة 525 م.
لا يمكن الحديث عن كاربي دون ذكر أكوا كاربيتانا Aquæ Carpitanæ أو قربص حالياً، لأن ازدهار الواحدة كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأخرى. وفي الواقع, لم تكن هناك طريق برية تربط كاربي بأكوا كاربيتاني، فالتنقل يتم عبر السفن الشراعية وكان المترفون والأثرياء من قرطاج، الذين يقصدون أكوا (قربص) للراحة أو العلاج، يتوقفون في كاربي. كانوا يقيمون هناك لبعض الوقت أحياناً قبل مواصلة رحلتهم. وكان بإمكانهم إبرام صفقات مربحة هناك وشراء مؤنهم الشخصية مباشرة من المنتجين أنفسهم، (الفلاحين) أو الذهاب لمعاينة المواد اللازمة لصيانة أو تزيين منازلهم . كان بإمكانهم أيضا الاختلاط للحظات بالحشد الكبير والمتنوع من التجار، وعمال المقاطع، والمزارعين، والرعاة، والملاحين، والتجار من جميع الفئات والأعراق في طرقات كاربي الصاخبة وبعد ذلك، وإثر إنجاز أعمالهم، كانت السفن تأخذهم نحو الراحة والمتعة في أكوا.
أكوا كاربيتانا (Aquæ Carpitanæ) أو قربص حاليا
فلنتبع إذن أولئك الذين كانوا يقومون بهذه الرحلة على طول هذا الساحل الخلاب. ينساب القارب الصغير ببطء غير بعيد عن الشاطئ ويظهر على اليسار خليج أوتيك وقرطاج، وعلى اليمين تلوح كتلة الجبال الشامخة.
ولكن سرعان ما تظهر أكوا كاليدا كاربيتانا (المياه الحارة لكاربي) بعد تجاوز آخر نقطة صخرية. في جوف الوادي، تقبع المدينة الصغيرة تحت أشعة الشمس، بيضاء ناصعة بين الثنايا الأرجوانية للجبل.
كشفت الحفريات التي أُجريت لإنشاء المحطة الحالية عن ثروات هائلة تجعلنا نعتقد أن هذه الحمامات كان يرتادها النخبة البونية، وخاصة الرومانية، القادمة من قرطاج.
فلنذهب أولاً إلى منبع العين والتي كانت محمية من تدفق مياه الأمطار بواسطة جدار يحول مسارها، أما مياهها الحارة فكانت توجّه نحو الحمامات. وبالنسبة للمدينة، فقد كانت أكثر اتساعاً بكثير مما هي عليه اليوم، وكانت الفيلات تصل إلى قمة الجبل، وسط حدائق يمكن تخيل جمالها بسهولة.
من هذه الإطلالة الرائعة، يسهل استكمال المشهد البانورامي لليوم حيث تلوح في الأفق البعيد الكتلة الوردية والبيضاء للعاصمة المتند إلى جروفها الصفراء الداكنة وبالقرب منها تقع مدينة أكوا الصغيرة، وتماثيل الأباطرة والمعابد، والمقابر الأربعة، والسرداب المربع الذي يهيمن بقبته على المنازل البيضاء المنحدرة كالمدرجات نحو البحر.
الوندال والبيزنطيون
لا بد أن الدمار الوندالي قد حل بثقله الشديد على منطقة غوميس وكاربي، بحيث لم يتبق منها سوى آثار نادرة للغاية، إلى حد أنه لم يتم العثور إلا على قليل من الأثار ويتم طمس تاريخها لفترة طويلة. وحتى غابة الزيتون التي نجت في أماكن أخرى كثيرة فإنه لم يكتب لها البقاء هنا. ومن المحتمل أن هذه المدن الغنية، بعد أن نُهبت وسُوّيت بالأرض، عادت لتصبح مجرد أراضٍ للمراعي. وكان لغبار الزمن، على مدى ما يقرب من ألف عام، متسع من الوقت لإخفاء آخر معالمها.
سليمان
لم يذكر التاريخ هذه المنطقة مجدداً إلا حوالي 1600 م ولم تكن في ذلك الوقت سوى “هنشير” (ضيعة فلاحية) تخص رجلاً تركياً يدعى سليمان، ومن هنا جاءت تسمية “هنشير سليمان”، ثم “سليمان” فحسب باللغة العربية و”Soliman” بالفرنسية.
ولم يترك الأتراك، الذين لم يكونوا مزارعين بل جنوداً، من آثار سوى حصن (برج) ترتفع أنقاضه ومدافعه الصدئة شمال القرية على شاطئ البحر وهو برج الجهمي.
وفي عهد عثمان داي، بدأ تدفق أوائل الأندلسيين نحو تونس وجاءت مجموعة منهم لتعرض خدماتها على سليمان، فأسكنهم في هنشيره وبدأ الأندلسيون، وهم أناس مفعمون بالنشاط، بتقسيم الهنشير إلى أربع مناطق محددة بدقة:
أراضي المرعى بين القرية والبحر.
أراضي الحبوب التي تمتد في السهل نحو قرمبالية وفندق الجديد.
أراضي الزيتون التي أعادوا فيها دون علم منهم إحياء حقول الزيتون الرومانية والتي لا تزال أشجارها تبسط ظلالها اليوم نحو منزل بوزلفة وبني خلاد.
وأخيراً الحدائق باتجاه المريسة وسيدي الرايس.
وبعد ذلك، ومع تزايد الازدهار، بنوا قريتهم ومسجدهم وهو “جامع البليدة” المرتبط ببرج الجهمي (كما يزعم البعض) بنفق سري تحت الأرض. وأحاطوا القرية بسور حماية ولا تزال بوابة سوق الطعمة قائمة حتى اليوم. وكما يدل اسمها، كان يمارس هناك تجارة الغزل والصوف وقد احتفظت السوق باسمها إلى اليوم، ولكن لم يعد يُباع فيها الصوف، بل استقر فيها بائع فطائر “فطايري” وعلى طول هذه الأسوار وفي داخلها، كانت تقام أسواق نشطة ومشهورة.
لقد وظف الأندلسيون خبرتهم المبتكرة في العمل الدقيق الذي تتطلبه البستنة والحدائق وأحدثوا ثورة في الأساليب القديمة للزراعة وغيروا ملامح البلاد. فمن وراء محاريثهم الخشبية، الشبيهة بتلك التي لا تزال تُستخدم اليوم، كانت تولد الخضرة والوفرة. وحيث لم تكن تنمو سوى زراعات هزيلة وأعشاب برية جافة، حفروا الآبار، وكانت المياه المستخرجة تُستغل بحرص شديد حتى آخر قطرة بفضل نظام مبتكر من قنوات الري. وازدهرت أشجار الزيتون لتغطي المنطقة بظلالها. وكانت عرباتهم ذات المحاور الخشبية، التي أحضروا نموذجها معهم، تروح وتغدو بين القرية والحدائق، ومن الحدائق إلى حقول الزيتون، ومنها إلى معاصر الزيت ذات العوارض الأفقية الضخمة واللولب الخشبي القوي المنحوت من جذوع أشجار كاملة، والتي أصبحت تتلاشى اليوم في صمت وإهمال تام، لكنها تشهد على ماضٍ مزدهر.
ومع الأندلسيين ظهرت خيرات جديدة كثيرة: أشجار التين، الطماطم، والقناوية (البامية) في الحدائق ودباغة الجلود وصناعة الصوف، والنقش على الجبس في القرية. ويظهر في تخطيط الشوارع، وفي طراز مئذنة المسجد، وفي ترتيب بعض زخارفه، ذلك الحس الفني الذي قدموا عليه أدلة كثيرة والذي نلمسه في مدن أندلسية صغيرة أخرى في تونس مثل تستور.
ومع نمو الثروات، اتسعت القرية، فتحطمت الأسوار وتجاوزتها المباني وكان الأندلسيون يبسطون نفوذهم تدريجياً بينما يرى الأتراك، الخاملون والقساة مع العمال، السلطة تفلت من أيديهم لتنتقل فعلياً إلى الأندلسيين. وشكلت العائلات الأندلسية القوية والغنية نخبة جديدة أزاحت النخبة القديمة وخنقتها. وتضاعفت الأراضي المنتجة حتى لم يعد جهدهم كافياً للقيام بكل العمل لذلك رحبوا بالغرباء، ولا سيما الطرابلسيين الذين قدموا بسواعدهم وعزيمتهم فجاءت دماء جديدة لتضفي حيوية إضافية على خصال هذه الفئة العرقية وهذا ما يفسر العدد الكبير من عائلات “الطرابلسي” في منطقة سليمان، حيث يعمل الكثير منهم حالياً جزارين.
تدريجياً، غمر تدفق الأجانب الأندلسيين بدورهم، فلم يعد يعثر عليهم بحالتهم الأصلية “الصافية” إن صح التعبير، ولم يعودوا يحتلون الصدارة في الثروة، وإن ظلوا يحظون بالتقدير في الحياة العامة.
ورغم كل شيء، لا تزال حيوية ما يمكن تسميته بالسلالة الأندلسية تتجلى من خلال ذكريات عديدة من الماضي. ففي الأسماء ذات النبرة الإسبانية لبعض العائلات تظهر ملامح أصولهم إذ لا نزال نلتقي بعائلات مثل: موكيلين (Moquiline) ، رحيش (Rahice)، بنديش (Bendice)، صحابو (S’habo)، ماضور (Madher)، مشكيك (Mechkike)، وباشكوال (Barchquale) كما بقيت بعض التسميات والعادات حية في الاستعمالات اليومية واللغة، مثل وحدة قياس المساحة “سويرتي” (suerti) التي تعادل هكتاراً واحداً تقريباً، أو بعض الأكلات والمستحضرات الغذائية التي لا توجد إلا في سليمان، مثل (cueiers)، وهو نوع من السجق الذي يؤكل في عيد الأضحى، وفطائر الجبن المعروفة بالقرص ” (grouze)
والأهم من ذلك، أن سليمان لا تزال تحافظ على الأساليب الجيدة وشغف الزراعة السقوية (الخضروات) التي جلبها الأجداد الأندلسيون، وهي زراعة تتطور في الوقت الحالي بسرعة كبيرة وتميل إلى الاعتماد أكثر فأكثر على تقنيات البستنة الحديثة فالمنفذ الآلي (المحرك) يحل محل الساقية (الناعورة) والدلو، والشاحنة تتجاوز العربة “الكارّو”، والسماد الكيميائي يشق طريقه إلى البساتين وجعل هذا من القرية أحد الموردين الرئيسيين لسوق تونس العاصمة بل ومصدراً نحو فرنسا وإلى الخارج.
وكتذكير بمرورهم عبر المغرب، ليس من الغريب أن تجد الطريقة العيساوية التي تأسست في مكناس في القرن السادس عشر على يد سيدي محمد بن عيسى تجمع اليوم بين مريديها معظم سكان سليمان. وفي الواقع، تضم سليمان زاويتين عيساويتين: زاوية باب تونس التي شيخها سيدي عبد العزيز عزيز، وزاوية باب البحر التي شيخها سي الحاج محمد ماضور. ويتبع كل من هذين الشيخين الشيخ الأكبر للعيساوية بتونس العاصمة، والذي يتبع بدوره مباشرة الشيخ الأعلى المقيم في المغرب بمكناس.
وفي المقابل، لم يتبق أي أثر تقريباً للأتراك، باستثناء اسم القرية نفسه وبقايا البرج المهجور غير المستغل، الواقع بمعزل عن القرية التي لا يمكن لازدهارها إلا أن ينمو ويتعاظم” .
إسبين (ESPINE)
معلم بالمدرسة الفرنسية العربية بسليمان
من هو أوربان إسبين URBAIN ESPINE
وُلد أوربان إسبين في منطقة تارن ببلدة سان جيرمان دو بري بفرنسا وكان لعائلة مزارعين وهو ما يفسر شغفه الشديد بالأرض والزراعة والتاريخ الفلاحي وقد بدأ اهتمامه الاستثنائي بعلم النباتات والبحث العلمي منذ صباه وأثناء تحضيره لشهادته التعليمية العليا بفرنسا.
استقر إسبين في تونس خلال فترة الإستعمار الفرنسي وعُيّن مدرساً في المدرسة الفرنسية العربية بمدينة سليمان ولم يكتفِ بالتعليم بل استغل وجوده هناك للقيام ببحوث ميدانية وتاريخية حول تاريخ الوطن القبلي ونشر دراسته الشهيرة سليمان ومنطقتها دراسة في التاريخ المحلي في النشرة الاقتصادية والاجتماعية بتونس وهي المخطوطة التي بين أيدينا اليوم .
عُرف إسبين بكونه من أبرز من درسوا فصائل نبات الأوركيد البرية في منطقة الوطن القبلي وتحديداً في جبال قربص وحبه للفلاحة جعله يشتري مزرعة زيتون صغيرة في المنطقة حيث قام بتجارب علمية متطورة لتلقيم الأشجار بهدف استنباط وإنتاج أصناف جديدة من الفواكه كما كان خبيراً وباحثاً في سلوك النحل وقدم عدة دراسات وملاحظات علمية في هذا المجال حظيت باحترام زملائه الأكاديميين.
غادر أوربان إسبين الحياة بعد مسيرة حافلة ترك فيها أثراً علمياً وتاريخياً وثّق من خلاله نمط حياة المهاجرين الأندلسيين وتاريخ المدن التونسية التي عاش فيها.