دار باش حانبة …من أجمل قصور مدينة تونس
تونس – كنوزنا
عابق هو الحي الجنوبي لمدينة تونس بروائح التاريخ المجيد محلّى بالقصور والأسواق والمعالم القديمة فهو يضم تربة الأمراء الحسينيين فيما الدور والقصور لطائفة من التجار الأغنياء والوجهاء والقادة العسكريين المقرّبين من البلاط ومن بينها عائلات الرصاع والنقاش والجلولي وباش حامبة وغيرها. هو حي متنوع يعكس فسيفساء المدينة العتيقة فجذور عدد هام من ساكنيه أندلسية أو تركية كما هو شأن عائلة باش حانبة التي يعود لها القصر الحامل لاسمها (دار باش حانبة) والمصنف كمعلم أثري.
يمكن الوصول الى دار باش حانبة انطلاقا من باب الجزيرة فنهج كتاب الوزير ولا تستغرق المسافة سوى دقائق قليلة أما النزول من شمال المدينة الى جنوبها مرورا بالأسواق والأزقة الضيقة فعبارة عن جولة سياحية وثقافية ممتعة قبل الوقوف أمام قصر آل باش حانبة المختبئ في ضجيج سوق البلاط أو سوق الأعشاب الطبية المحاذي له.

في سوق البلاط أسرار صيدلية ومنافع لأعشاب يقول الباعة أنهم توارثوها أبا عن جد فهذه تنفع للسكري وتلك للأورام والأخرى للبروستاتا أو للقرحة ويقال أن عددها يفوق الثلاثة آلاف عشبة من أبرزها النوخا لعلاج أمراض الكلى والعلندة مع المورينقا والغرافيولا للسرطان وأم الجلالجل لتسريع الانجاب لكن مقصدنا هو دار باش حانبة وليس هذه السوق العجيبة.
في كتابه عن بيوت مدينة تونس يوضح الفرنسي جاك ريفو أن عائلة الرصاع هي من بنت خلال القرن 17 القصر المسمى حاليا بدار باش حامبة وعائلة الرصاع هذه جاء جدها الاول من الجزائر وكان مختصا في ترصيع المنابر وتربة العائلة أو مقبرتها الخاصة وأيضا بيتها الأول بنهج الوصفان في سوق النحاس. لاحقا باعت عائلة الرصاع القصر لعائلة النقاش قبل ان يشتريه في عهد حمودة باشا الحسيني وتحديدا سنة 1798 الحاج أحمد باش حامبة الذي قام إشترى كذلك دار بن بكير لكي يصبح هذا العقار مطلا على النهج الذي أضحى يحمل اسم العائلة (نهج باش حامبة) لكن الباب الاصلي للدار مغلق حاليا ويتم استعمال الباب الثانوي الموجود بنهج كتاب الوزير. لا توجد مراجع كثيرة حول عائلة باش حانبة وما هو متوفر يشير الى أنها عائلة مسلمة تنحدر من منطقة الأناضول وقد لمع أبناؤها في البحرية التركية وفي الادارة ولكن ما نعلمه أن حانبة هم حراس الباي وخاصته والباش هو قائدهم وأما أبرز شخصيات عائلة باش حانبة فمن دون شك علي باش حانبة أحد زعماء حركة الشباب التونسي .
استمرت عائلة باش حانبة في هذا القصر الى سنة 1923 ففي هذا التاريخ تحولت ملكيته الى المؤسسة الكاثوليكية نوتردام دي لسبيرانس (سيدة الرجاء) بعد شرائه من قبل جمعية الراهبات الفرنسيسكان ليتحول الى مستوصف ومقر لتعليم الخياطة والطبخ وهي مصادفة عجيبة جعلت من هذا المعلم الذي ينتمي لعائلة مناهضة للاستعمار ومدافعة عن ثقافة السكان الاصليين تفرط في مسكنها لهيئات تبشيرية.

انتقلت ملكية دار باش حانبة بعد عدة عقود (سنة 2000) الى مؤسسة أوريستيادي الايطالية التي حولت هذا الفضاء الى متحف ومقر للانشطة الثقافية والفنية تحت اسم المركز الثقافي للمتوسط كما تحولت الدار أيضا منذ 2015 الى مقر لاحدى الجمعيات.
لا تختلف دار باش حانبة كثيرا من حيث التصميم اذ تؤدي السقيفة الى صحن فسيح مبلط بالرخام الأبيض تحيط به الاروقة و4 غرف في الطابق السفلي ومثلها في الطابق العلوي الذي يخصص عادة لاستقبال الضيوف (علي الضّياف).
ويتوسط صحن الدار نافورة فيما ترتكز الجداران على أعمدة من الرخام تحليها تيجان كلاسيكية وتعلو هذه الأعمدة أقواس كما هو الحال في كل القصورالمبنية على الطراز العثماني لكن دار باش حانبة ليس فيها هذا التأثير المعماري التقليدي فقط اذ يلمس المتجول في أرجائها لمسات أندلسية وأوروبية وايطالية تحديدا سواء في الجليز والأسقف الخشبية والرسوم التي تحليها وحتى في حديد الغرف ما يجعل من هذا القصر مزيجا من التعبيرات المعمارية والهندسية الرائعة التي تشد الناظر وتفتح باب التأمل في جمال هذا القصر الذي يجسم كل التحولات التي طرأت على المدينة القديمة سواء من الناحية العمرانية والثقافية أو من الناحية السياسية فمن فترة الازدهار التي ميزت حكم البايات الحسينيين الى فترة الانحدار في أواخر عهدهم والتي أتت بالحماية الفرنسية وما تبعها من تهديد للشخصية والهوية التونسية.
ياسين بن سعد