كنوزنا – ياسين بن سعد
هكذا كانت طبرقة خلال القرون الماضية لوحة بحرية رائعة تبهج القلب وتغري كل من يزورها بالبقاء …كانت الجزيرة أيقونة طبرقة وقد ظلت كذلك رغم التفريط فيها بلا مقابل لملك إسبانيا شارل الخامس.
سلمت الجزيرة لإسبانيا المسيحية عقب احتلال تونس سنة 1535 م ثم أقطعها الإسبان لعائلتي لومليني وغريمالدي الجنويّتين فتحولت إلى قلعة حربية وتجارية وإلى خنجر في خاصرة البلاد التونسية وبذلك حقق الجنويون بقوة السلاح ما عجزوا عنه بالدبلوماسية اذ هم كانوا موجودين بالفعل في شمال تونس منذ 1451 م لاستغلال المرجان بموجب اتفاق مع السلطان الحفصي أبو بكر عثمان.
ظلت “الدزيرة” كما يسميها الطبرقيّة جزيرة معزولة عن القرية لا تتصل بها إلا عبر مينائها الصغير المطل على واجهاتها الغربية أو عبر اللسان الرملي في ساعات الجزر وقد استمر هذا الحال إلى أن استعادها يونس ابن علي باشا خلال القرن 18 مستبقا بيعها سرا للفرنسيين الذين سيطروا على الجزائر وكانوا يطمعون إلى توسيع نفوذهم في تونس.
كان ميناء الجزيرة وكما تظهره الصورة المرفقة بهذا المقال في الناحية الغربية يمين ما يعرف اليوم بشط الباجية ومازالت بعض آثاره تظهر للعيان إلى حد الآن على رمال الشاطئ ومنها تلك الحلقات التي كانت تربط إليها المراكب القادمة إلى الجزيرة من الموانئ الاوروبية.
من يتجول اليوم في الجزيرة ستصادفه أيضا أطلال المدينة الجنويّة التي دكها يونس دكا ولم يترك فيها شيئا قبل أن ينتقل إلى سيدي مشرق ليكمل هدم ما بناه الفرنسيون من مرافق واستحكامات.
كانت الجزيرة محاطة بأسوار سميكة ومنيعة وفي زواياها المختلفة أبراج عسكرية يتقدمها في الناحية الشمالية البرج الكبير الموجود إلى حد الآن والذي كان يضم الحامية العسكرية والعائلة المالكة وحول هذا الإستحكام المنحوت في الصخر بنى البحارة والسكان الجنويون مساكنهم وشيدوا كنيسة لإقامة الصلوات وآثار هذا المعلم مازالت موجودة إلى حد الآن شأنها شأن البيوت والمنشآت المائية التي حفرت في أرض الجزيرة لتزويد الناس بالمياه الصالحة للشراب.
كانت في الجزيرة ثلاثة شرايين مرورية أو طرق رئيسية الطريق الأول، يتواصل في اتجاه شمالي شرقي / جنوبي غربي، ويمتد على طول الجرف الصخري ولكنه اختفى جزئياً بسبب التآكل والعوامل االطبيعية والثاني يربط الكنيسة بالجهة الشمالية الغربية للجزيرة فيما ينطلق الشريان الثالث أيضاً من الكنيسة ويصعد نحو الحصن متبعاً خط المنحدر الأشد خطورة ولا يظهر التنظيم العام للمباني في الجزيرة حسب ما دونه الجغرافيون والرحالة أي تراتبية طبقية إذ لا يتفوق أي منها على الآخرين من حيث الحجم أو مواد البناء ..
كان في الجزيرة أيضا صهريجان كبيران للماء مخصصان لكافة المتساكين أو ما يمكن اعتباره خزانان عموميان وكانت المواجل أو الآبار العائلية التي تجمع مياه الأمطار بالعشرات وأغلبها طمس بمرور الزمن .
آثار المدينة الجنوية متروكة ومهملة تماما بما تحتويه من معطيات تاريخية وأهمية أركيولوجية ولو كانت هذه الجزيرة بما فيها من معالم وأسرار وجمال في بلد آخر لتحولت إلى مزار سياحي وثقافي من الدرجة الأولى لكن تونس التي تعج بالتاريخ وتضج به ليس لها الإمكانات المالية لتثمين هذه المعالم المرموقة ولا الطبرقية المشغولين بمشاكل الماء والكهرباء والنقل يملكون الترف للمطالبة بإحياء الجزيرة وتاريخها ونفض الغبار عن جزء مهم جدا من تاريخ تونس لم يتم التعرف عليه بما يكفي.
في أواخر القرن التاسع عشر وتحديدا في ما بين 1892 م 1902 م أي بعد عقدين تقريبا من إنتصاب الحماية الفرنسية ولتهيئة الأرضية لبناء ميناء طبرقة الذي سيصبح مرتكزا تجاريا وحربيا لفرنسا قام المستعمرون بحفر اللسان الرملي الذي كان يسمح بالوصول إلى الجزيرة وبنوا في محله رصيفا بحريا دائما لحماية حوض الميناء من الأمواج العاتية، وهو ما قضى على الجزيرة نهائيا.


اترك رد