كيف أنهى حمودة باشا تدخل أتراك الجزائر في شؤون تونس؟

كنوزنا – ياسين بن سعد

كان حمودة باشا كما أشرنا في مقالنا السابق ينتظر اللحظة المناسبة لإنهاء تدخل عسكر الجزائر في سياسة تونس وابتزازهم المتواصل لأموالها وخيراتها ، مجهزا ما تستحق هذه المهمة من تحصينات وعدّة وعتاد وقد جاءت هذه اللحظة لما أرسل داي الجزائر قطيعا من الأبقار إلى تونس بثمن حدده مسبقا وبما يشبه الأمر للباي وليس توددا وتملقا كما كان يفعل دائما.

جمع حمودة باشا أركان الحكم من وزراء ومستشارين واختلفت الآراء بين من يدعو إلى التريث ومجاراة حكام الجزائر وبين من كان يرى أن الأمر قد بلغ حده وهو رأي وزيره المقرب يوسف صاحب الطابع الذي قال دون تردد أو مواربة “عظم الأمر واتسع الخرق والمساعدة هي التي أوصلتنا لهذه الدرجة من المعرّة لأن سيّدنا سمسار لصاحب الجزائر وليته وقف عند السّمسرة بل هو محكوم عليه بأداء مال معين ودفعه بظلم رعيته كدفع من خزانته”…فأجابه رئيس الكتاب “أي شيء يفعل سيدنا ؟ أترى أن يخاطر برأسه؟”…كان صاحب الطابع جاهزا للرد على هذا الموقف المهادن فقال لصاحبه بمنتهى الجرأة والحزم “سيدنا لا يخاطر برأسه وأنا لا أخاطر برأسي وأنت لا تخاطر برأسك ونكون آلة ظلم الجزائر لأهل تونس ولا يخفاك أن الظلم من أقوى الأسباب على الجرأة فنخشى أن الرعية تنظر لنفسها حاميا يقيها ووجوه النظر كثيرة منها أن تسلم نفسها لصاحب الجزائر وإذا انتظمت في سلك رعيته كان لها ما لهم وعليها ما عليهم”.

كان الوزير يوسف صاحب الطابع يحذر عبر هذه الكلمات من فقدان تونس لاستقلالها وتحولها إلى تابع كلي للجزائر لا بل إنه قال للباي بانه إن لم يعالج هذه المشكلة فقد تنقلب عليه الرعية وتبحث عمن يحمي مصالحها وربما كان هذا الطرف أتراك الجزائر.

سارع حمودة باشا إلى مكاتبة داي الجزائر وإعلامه بأنه لم يعد للجزائريين أي امتياز على حساب التونسيين ودوّن في مكتوبه التالي “إن البقر أمرنا ببيعه على يد عدلين وتجمع من ثمنه كذا وتولى قبضه رسولكم بأمرنا وإن أرسلتم بعده شيئا للبيع فليكن خطابكم في ذلك لوكيلكم وحاله في ذلك كعامة أهل البلد من غير فرق وقد كنا نرى أن فعلنا معكم سابقا إنما هو ثمرة محبة وحيث رأيتموه واجبا فلا نسلم هذا الوجوب”.

هكذا كانت الانعطافة التاريخية في علاقة تونس بالجزائر إذن كما روى لنا ابن أبي الضياف الذي زاد فأوضح أن الباي أعلن بعد هذا المكتوب مباشرة الحرب على أتراك الجزائر “واخذ في إحضار موادها من العدد والعدة”.

سار جيش الباي بقيادة سليمان كاهية الأول إلى قسنطينة  في 24 جانفي 1807 ليضرب حصارا خانقا إلى غاية 3 ماي لكن خيانة عساكر الترك وكانوا نحو 5 آلاف وإنحيازهم لانكشاريي الجزائر إضافة إلى تراخي عناصر قبيلة دريد أديا إلى هزيمة محلة حمودة باشا الذي خشي من اجتياح الجزائريين لتونس.

التف رجال الدولة حول حمودة باشا ومنهم أغنياء العائلات المخزنية وكان على رأسهم محمود بن بكار الجلولي وحتى حميدة بن عياد الذي كان محبوسا فقد قدم رفقة الآخرين كل الدعم المالي والعيني المطلوب لكن تجهيز المحلة الثانية بالسلاح والعتاد والمال كاد أن يكون برمته حكرا على الوزير القوي والغني يوسف صاحب الطابع الذي وقع الإختيار عليه لقيادة الحرب الثانية مع دايات الجزائر بعد أن رفض أعيان البلد خروج الباي بنفسه وكان الرأي أن أي هزيمة أخرى بحضور حمودة باشا ستؤدي إلى إنهيار تونس وإلحاقها بالجزائر.

في 13 جويلية 1807 وبمنطقة تعرف بسلاطة ناحية الكاف دارت الحرب الثانية بين جيش تونس وأتراك الجزائر وكان جيش تونس في أغلبه من أبناء البلد فانتهت المواجهة في مساء ذلك اليوم بهزيمة ساحقة لمحلة الجزائر وانتصار حاسم للتونسيين علق عليه القنصل الفرنسي بتونس في رسالة سرية إلى حكومة بلاده فقال”كانت حرب حمودة باشا التي قادها صاحب الطابع للنصر أهم قضية كرس حمودة باشا كامل عهده لتحقيقها وذلك لأنها كانت حربا ترمي لاستقلال بلاده ، واستقلاله هو شخصيا عن تسلط الجزائريين الذي ورثه عن آبائه وأجداده”.

لم تتوقف أطماع دايات الجزائر ومناوشاتهم  برا وبحرا ولئن فشل التهديد البري بالنظر إلى تيقظ حمودة باشا وأركان دولته فإن التهديد عبر الأساطيل ظل قائما حيث سعى الجزائريون في 7 ماي 1811 إلى غزو تونس بحرا فجهز الباي 14 سفينة بقيادة محمد رايس المورالي ومرة أخرى تأتي الخيانة من عساكر الترك الذين انحازوا لبني جلدتهم وأسلموا المورالي لمصيره فقاتل بشراسة حتى جرح وأسر من قبل الأسطول الجزائري.

في 11 سبتمبر 1811 قاد عساكر الترك بتونس تمردا كان الهدف منه قتل الباي والاستفراد بالحكم وإعادة هيمنة أتراك الجزائر على تونس إلا أن الخبر وصل الباي ونجح وزيره يوسف صاحب الطابع في إخماد هذا التمرد الذي جعل حمودة باشا يسارع إلى تركيز أسس جيش تونسي لا ولاء له إلا لبلاده .  


Posted

in

,

by

Tags:

Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من كنوزنا

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة