كنوزنا – ياسين بن سعد
بويع حمودة باشا مرّة أولى في حياة والده وكان ذلك يوم 9 فيفري 1777 م ثم ارتقى إلى الحكم عقب وفاة علي باي يوم 31 ماي 1782 م دون أن ينجر عن ذلك صراع على الخلافة مع ابن عمه محمود باي الوريث الشرعي للسلطة وعلى كل فهو قد كان من الفطنة والذكاء أن استدعى وزراء أبيه ليوجه رسالة طمأنة ويقول “إني لم أجلس في هذا المجلس بتغلّب حربي حتى أحسن لمن أعانني وأتشفّى ممن حاربني وقد طلبتموني في حياة أبي فأطلب منكم أن تكونوا لي كما كنتم لأبي والله تعالى ولي إعانة الجميع”.
ولد حمودة للباي علي بن الحسين بن علي في 8 ديسمبر 1759 م من جارية جيورجيّة سمّيت محبوبة تزوجها الباي في الجزائر ونشأ الطفل حمودة كما يشير إلى ذلك بن أبي الضياف تنشئة سليمة فقد “اعتنى أبوه بتربيته فقرأ ما تيسر من القرآن وضم إليه إمامه الفقيه العالم أبا محمد حمودة باكير وأخذ عن العلامة الكاتب أبي محمد حمودة بن عبد العزيز كاتب أبيه ومؤرخ دولته ما يلزم من النحو والحساب والتاريخ وتعلم اللغة التركية نطقا وكتابة”.
كان لحمودة شقيقان و5 أخوات هم محمد المأمون وقد توفي في 1784 م وعثمان باي وهو من أم أخرى وقد تولى الحكم بعده وقتل من قبل محمود باي وإبنه مصطفى في 21 ديسمبر 1814م أما الأخوات فقد تزوجت 4 منهن بعدد من رجال الدولة فيما فضلت الخامسة عدم الزواج.
دلت تصرفات علي باي على أنه بصدد إعداد نجله حمودة لتحمل أعباء الحكم لا بل هو قد اجتهد في هذه المهمة سواء من خلال السعي الحثيث لدى إسطنبول حتى تبارك ولايته للعهد أو عبر الحرص على أن يستكمل تحصيله العلمي والعسكري وقد تم له ذلك لما بلغ سن الثامنة عشرة فبادر الباي على الفور إلى تزويجه من إبنة الشيخ الإمام المفتي أبي عبد الله محمد البارودي وقد أنجبت له عدة أولاد توفوا كلهم صغارا ولم يبق منهم إلا ابنه محمد الذي عاش 8 سنوات ونصف.
يصف بعض الرحالة والقناصل الأجانب حمودة باشا بصفات متعددة فيها الكثير من الإعجاب ولا غرابة في ذلك فهو قد أظهر قدرة واسعة على فهم المتغيرات المحلية والعالمية وقد لخص تقرير سري فرنسي تعلق بإمكانات احتلال تونس ورفع إلى نابليون بونابارت هذه الميزة بالقول ” إنه الأمير الفريد بين أمراء المسلمين قاطبة فهو يتمتع بثقافة مرموقة مكنته من فهم مصالح القوى والدول الغربية بأوروبا وبالتالي الإستفادة منها إلى الحد الأقصى”.
لم يكن حمودة باشا لامعا فقط في الشأنين السياسي والاستراتيجي فهو قد تفوق أيضا في الميدان العسكري فقاد المحلّة بنجاح ولم يكن عمره يتجاوز العشرين سنة ولما تولى السلطة كان من شغفه بجنده من الأتراك كما يقول بن أبي الضياف أن اتخذ لنفسه بيتا في قشلة البشامقية لكن التوجهات العسكرية للباي لن تتجلى في الواقع من خلال هذه العلاقة الشخصية الرامية إلى كسب ود الانكشاريين ودرء شرهم وإنما في ما خصصه من موارد ضخمة لتطوير المؤسسة العسكرية وفي هذا الباب يقول رشاد الإمام في أطروحته حول سياسة حمودة باشا “ومن مظاهر اهتمامه بالجيش أن الضريبة التي كان يدفعها اليهود على محلاتهم التجارية وكذلك الضريبة الشخصية المترتبة عليهم كانت جميعا تصب في الخزينة العسكرية “وفضلا عن ذلك فقد كان الجيش يتلقى المساعدات العينية من الأهالي زيادة على الجرايات والعطايا الرسمية وبصفة عامة كما ينقل الإمام عن التاجر الأنقليزي ماجيل فإن ” الميزانية التي استنفدت في مصالح الجيش (في 1808 م) تجاوزت ميزانية الدولة وتعدتها ، ثم يقول (التاجر) أن الأمر المؤكد والثابت هو أن الباي أنفق مبالغ ضخمة جدا لتقوية إمكاناته الحربية سواء منها القوات الأرضية أو البحرية أو التحصينات وذلك استعدادا منه لمجابهة الجزائر”.
لعل الفهم العميق للأولويات هو كما يرى لطفي بوعلي في دراسته حول “التحديث العسكري في خطاب حمودة باشا الحسيني” ما جعل الباي يركز” استراتيجيته على العلاقة مع الجار الجزائري حيث ثبت أنه جعل التخلص من تهديد أتراك الجزائر هدفا أساسيا لسياسته الخارجية.
ويبدو أن تحقيق هذه الغاية قد يكون شغل تفكير الباي عن مشاريع الإصلاح العسكري التي تحصل في المنطقة …إن هذا التغير الجوهري قد أشار إليه ابن أبي الضياف عندما ذكر أن الوزير يوسف صاحب الطابع سارع إلى التوسط في خلاف تونس مع دولة الدانمارك وأنجز صلحا معها في نوفمبر 1801 م لما يعلم من عزم الباي على حرب الجزائر”.
هذه الأولويات هي ما سهل أيضا إنهاء الحرب التي أعلنها حمودة باشا على البندقية في 17 جانفي 1784 م صونا لسيادة تونس ونصرة لعدد من التجار التونسيين الذين أحرقت سلعهم في مالطا وكانت محمولة على سفينة ترفع علم البندقية ورفض قبطانها تعويضهم عن أموالهم . لم تكن هذه الحرب سوى واحدة من عدة حروب غير معلنة فحمودة باشا لم يتردد في تهديد فرنسا بالحرب خلال نفس الفترة بعد احتجاز سفينة تجارية تونسية أبحرت من المغرب الأقصى ثم هدد بريطانيا بمحاربة سفنها في البحر المتوسط إن لم تطلق سراح سفينة تونسية أبحرت من مرسيليا واحتجزها البريطانيون.
لعل أهم الإشغال التي بادر بها الباي إستعدادا لمواجهة سنجق الجزائر هي إصلاح الأسوار وتعزيز بنيانها وحول هذا الموضوع يقول الباحث عادل التواتي أن حمودة باشا ” أمر بترميم السور الذي يحيط بالمدينة المركزية من باب السويقة الى باب الجزيرة مع تجديد الأبواب الخشبية الثقيلة وأسند وكالة تلك الأعمال إلى بعض الأعيان مثل محمد العربي زروق ومحمد طاطار( حفيد الداي طاطار/ ق17 ) وقد ذكر الضابط الفرنسي بوتان Botin الذي زار تونس سنة 1808 ووضع خارطة لمدينة تونس أنه في تلك السنة كانت هناك أجزاء متداعية من السور وأجزاء بصدد التجديد وثالثة مجددة تماما ومن هذه الشهادة التاريخية نستخلص أن الاشغال دامت من سنة 1797 الى حوالي 1813 مع العلم بأن حموده باشا وأثناء الأشغال أضاف باب سيدي عبد السلام الذي لم يكن موجودا من قبل وأصبحت للسور الثاني 10 أبواب وحرص أثناء الترميم والتجديد على مسايرة الخط القديم للأسوار ولم يخالف ذلك إلا لما جعل الجهة الغربية للسور تحتضن مقبرة وحي القرجاني اللذان كانا خارج الأسوار وقد كانت هذه الأشغال من المتانة والحصانة أن أشاد بها الاجانب مثل قنصل فرنسا بتونس Devoise في تقرير سري رفعه إلى حكومته حيث تحدث عن “السور الشامخ”.
ترافقت هذه الحضيرة العسكرية الكبرى التي عرفتها مدينة تونس مع تحصينات إضافية تمثلت في إنشاء مجموعة من الأبراج وقد بلغ عددها كما يشير إلى ذلك موقع التراث والتاريخ العسكري التابع لوزارة الدفاع ” اثنا عشرة برجا، هي كما ورد في نص وقفيتها : برج باب الخضراء الكبير، والبرج المعروف ببرج يوسف صاحب الطابع، وبرج الشيخ سيدي يحيى السليماني، وبرج باب سيدي عبد السلام، وبرج باب أبي سعدون، وبرج باب سيدي قاسم الجليزي، وبرج عنابة، وبرج سيدي علي القرجاني، وبرج المصلى المعروف بجامع السلطان، وبرج باب الفلّة، وبرج باب علاوة وبرج باب البحر. وهذه الأبراج والحصون بها مخازن المؤن وصهريج الماء أو البئر، كما تحتوي جميعها على طبخانات مجهزة بالمدافع. وتبنى الأبراج خلال هذا العهد بالطابية ، أي التراب المرصوص ويتجاوز سمك جدرانها أحيانا العشرة أمتار، مما يضفي عليها طابع الكتلة الواحدة الترابية التي يصعب دكّها “.
أوقف الباي العديد من الرباع والزياتين والمخازن على هذه الأبراج والأسوار لضمان صيانتها بشكل دوري ولتوفير السلاح والماء والزيت للاضاءة، والجرايات الجنود وقد اكتست الأشغال أهمية أستراتيجية في نظر حمودة باشا بيّنها ابن أبي الضياف لما أشار إلى أن الباي ” كان يأتي غالب أيامه بنفسه ليرى العملة في بناء السور والأبراج مبالغة في الحث على العمل”. وهو لم يكتف بتحصين مدينة تونس فقط كما يقول صاحب الإتحاف فقد “حصن حلق الوادي وصرف له العناية بحفر البوغاز وبنى جوانبه وجعل الجابية داخل السور لحفظ المراكب البحرية وبنى الطبخانات الأرضية وشحنها بمدافعها وبنى الترسخانة وخزائن مهماتها …ولم يجد من بعده ما يزيد في حلق الوادي”.
يفصل رشاد الإمام في دراسته حول سياسة حمودة باشا هذه الأشغال التي قادها مهندسون وخبراء أوروبيون في بداية القرن التاسع عشر لجرف مينائي حلق الوادي وغار الملح مستعينين بمعدات وقوارب من فرنسا قائلا “بعد الإنتهاء من جرف البوغاز وحفر ميناء العاصمة حوالي 1804 أوكلت مشاريع أخرى ذات طابع عسكري للمهندس الهولندي هومبير (humbert) وللضابط الفرنسي فرانك (frank) ليقع إنشاؤها في ذات المكان فأتما بناء ميناء العاصمة الجديد (حلق الوادي) وأسس فرانك إنشاءات عسكرية دفاعية هامة جدا وحديثة أهمها تحصين مدخل البوغاز بتثبيت سياج من أوتاد ضخمة على جانبي القنال ثم رمى بمتاريس قوية من الحجارة في أماكن معينة من مدخل القنال لا يعرفها إلا المسؤولون المختصون بحلق الوادي. ويصف الأب كاروني (رجل دين ورحالة فرنسي) أهمية تلك الإنشاءات وحصانتها سنة 1804 بقوله أنه منذ ذلك اليوم أصبح أي معتد مهما بلغت قوته لا يستطيع أن يقتحم تلك الحواجز …ومن يومئذ أصبحت عاصمة البلاد التونسية تستطيع أن تنام ملء جفونها “.
يضيف الإمام معلومات أخرى على لسان الرحالة ماجيل حول ميناء حلق الوادي والذي يقول أنه “ميناء حديث وفسيح يستوعب جميع وحدات الأسطول التونسي الذي يتكون من خمس وعشرين عمارة بحرية حربية …وهو في إمكانه أيضا أن يحوي بجانب ذلك ثلاثمائة عمارة بحرية تجارية “.
لم تتوقف تحصينات حمودة باشا على العاصمة وحلق الوادي فهو قد كلف محمد العربي زروق بترميم قصبة الكاف وحصونها وسورها وإضافة تحصينات جديدة وشهدت مدن أخرى من البلاد هي بنزرت وسوسة والمنستير وجربة أشغالا مماثلة وإن كان التركيز موجها بالأساس نحو الحدود الشمالية التي كانت تأتي منها جحافل أتراك الجزائر لتحتل المدن التونسية وتعيث فسادا في العاصمة.
لم تكن هذه التحصينات العسكرية التي يجري إنشاؤها على قدم وساق لتخفى على جواسيس الجيران الذين عبروا عن تخوفهم منها وقد وثّقت مراسلات القناصل الأجانب إلى حكوماتهم ردود فعل أتراك الجزائر لكن حمودة باشا الذي ضاق ذرعا بابتزاز هؤلاء وإهاناتهم المتكرة كان مصرا على التخلص من هذا الواقع الشاذ وسيفعل ما وسعه حتى تستكمل الاستعدادات للحظة الحاسمة وهي إعلان الحرب على الجزائر.
قد يتساءل البعض : وماذا بقي الآن من هذه التحصينات وتحديدا الأسوار والأبراج؟ وعن هذا السؤال يجيب عادل التواتي بالقول ” لقد تلاشت الأسوار الخارجية ابتداء من منتصف أربعينات القرن الماضي وهدّمت كلها تقريبا بين سنوات 1959 إلى 1964 وما بقي منها هو جزء ضئيل قرب باب الخضراء وقرب جامع سيدي يحي السليماني وجزء آخر صغير بين باب الخضراء وشارع مدريد أما الأبراج فقد هدمت أيضا جميعها ولم يبق منها الا أطلال برج سيدي يحي السليماني وهي ظاهرة للعيان بإزاء صومعة جامع سيدي يحي ، وبرج باب الخضراء الذي لا يزال قائم الذات وهو مغلق منذ عشرات السنين.


اترك رد