الحارة اليهودية بمدينة تونس…ذكريات الماضي الحزين
كنيس نور التوراة من المعالم القليلة التابعة للحارة اليهودية التي ظلت قائمة إلى الآن
لا يوجد تاريخ محدد لانشاء الحارة اليهودية بمدينة تونس لكن أغلب المصادر التاريخية تتفق على أن جذورها تعود إلى نهاية القرن 10 أو بداية القرن 11 م أي أنها قد أنشأت قبل أكثر من ألف عام ، وهي بالأساس قد شيدت على مقربة من مدفن الشيخ محرز بن خلف الذي أدخل اليهود إلى داخل المدينة بعد أن كانوا يبيتون خارجها . كان يحدّ الحارة شمالا ربض باب سويقة وغربا حيّ الحفصية وجنوبا سوق القرانة وشرقا الحيّ الافرنجي لكن الحارة أخذت في التوسع تدريجيا نحو ربض باب سويقه من ناحية الحيّ الأندلسي المعروف بالبيقه ومن ناحية باب البحر وباب قرطاجنّة ليصل الحي اليهودي الى حي باب الخضراء.
أدت موجات الهجرة الأندلسية التي جاءت باليهود الأوروبيين إلى هذا هذا التمدد العمراني وبدأت آثاره تظهر للعيان في عهد حمودة باشا المرادي وسيتواصل التمدد خلال الحكم الحسيني مع تزايد عدد اليهود ثم إعلان عهد الأمان (1857 م) الذي مكن الطائفة اليهودية من تملّك العقارات والإقامة حيثما شاءت وهكذا فإن الحارة ومثلما تشير إلى ذلك الباحثتان هند القروي وفاطمة بن فرج ستتوسع نحو “حي الجرابة” وسيشتري المواطنون اليهود المنازل القديمة المهجورة من مالكيها المسلمين وسيقومون بترميمها لكن “وفي نهاية القرن التاسع عشر سيختار الأغنياء منهم أصيلي القرنة خصوصا المغادرة إلى الحي الأوروبي وإلى ضاحيتي حلق الوادي والمرسى”.

بمغادرة اليهود الأوروبيين تحولت عديد المنازل إلى “وكالات/ مبيتات شعبية” وتدهور وضع الحي اليهودي وقد رسمت نصوص بعض الكتاب من اليهود التونسيين معاناة العائلات من الرطوبة والبرد والحرارة الخانقة ومياه الصرف الصحي الجارية في الطرقات والأمراض المعدية والفاقة التي كانت تجبر الأطفال على مغادرة مقاعد الدراسة.
خلال ثلاثينات القرن الماضي تم إيواء قسم من سكان البنايات المنهارة في بعض العمارات بنهج الدكتور كسار وكانت تلك مقدمة لقرار هدم الحارة الذي نفذ بعد الاستقلال (1961) دون موافقة السكان الذين كانت أملاكهم العامة والخاصة تناهز 268 عقارا وتعدادهم يقارب الـ 8 آلاف شخص من بين 100 ألف يهودي في كامل مدن البلاد (1956) علما بأنه كانت داخل الحارة العديد من المؤسسات اليهودية مثل المدارس والجمعيات الرياضية.
ابتلعت غابة الإسمنت الحارة اليهودية ودفنت حكايات وأسرار وأسماء ومعالم عديدة لكن أسماء الأنهج والمعالم اليهودية ظلت شاهدا على المكان ومنها نهج دانا – زنقه درمون – نهج السناقوقة نسبة لمعبد يهودي عتيق اسمه سيناقوقة فريحة – نهج أفرايم – نهج الموزيكاجيّة وكانت فيه فرقة موسيقية نحاسية ليهود تونس – نهج بن روبين – زنقه عتّال – زنقه ميمون – زنقه سرفاتي – زنقة سمامه – نهج الركاح – زنقه كوهين – زنقه نينا – نهج بن سلمون – نهج المسلخ وكان فيه مسلخ يوفر اللحوم الحلال حسب الطقوس العبرية – زنقة زرقة ونهج الدكتور كسار.
لا شك أن عدد الأنهج والمعالم أكبر من ذلك لكن هدم الحارة الواسعة طمس أغلبها فحدودها كانت تصل الأرباض القريبة منها فضلا عن أن بعض الأنهج ومنها نهج سيدي سريدك ونهج سيدي قادوس ونهج زرقون ونهج فبريكات الثلج كان أغلبية سكانها يهودا مع أقلية من المسلمين.
اندثرت المعالم الأساسية للحارة اليهودية ومنها بيت الصلاة الكبير الذي يرجح أنه يعود إلى القرن العاشر وأما ما تبقى فشواهد مهملة وحزينة تتمثل في كنيس نور التوراة “or torah“ الكائن في حوانت عاشور بالحفصية والمدرسة اليهودية بنهج التريبونال وقصر سمامة الموجود في نهج المشنقة بباب قرطاجة.
بني كنيس” أور توراه ” في ثلاثينات القرن الماضي تحت إشراف المهندسين جون صباغ وإيمي كريف وقد تم بيع جزء منه فأصبح مستغلا حاليا كمقهى فيما بيت الصلاة في حالة انهيار لا يخفيها إلا ذلك الباب الخشبي المزيّن بالشّمعدان السّباعي والمغلق بسلسة حديدية وقد فشلت محاولات تثمين الجزء المتبقي من هذا المعلم إذ يبدو أنه لا توجد رغبة في الاحتفاظ به أو في تسليمه للدولة التونسية.
أما المدرسة اليهودية التي شيدت في 1910 ، على جزء من قصر خير الدين من قبل المهندس الفرنسي raymond valensi ولم تغلق أبوابها إلا سنة 1964 ، فوضعيتها مازالت تراوح مكانها .
مباني المدرسة التي تحولت إلى “وكالة” بعد تحوزها من عدة عائلات معوزة أضحت أكثر تداعيا رغم مجاورتها للجزء المثمن من قصر الوزير الأكبر وهو الآن متحف مدينة تونس وحال المدرسة اليهودية لا يختلف عن حال العديد من المعالم التاريخية في المدينة العتيقة ومنها قصر نسيم سمامة الذي تحول إلى مدرسة للبنات قبل الاستقلال ثم إلى نزل على ملك إحدى العائلات.
إعداد وصور ياسين بن سعد